منتدي بستان المعارف

منتدي بستان المعارف منتدي يشتمل علي شتي صنوف العلم والأدب والمعرفة ...
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
مدير المنتدي
 
د. عروة
 
amna alamin
 
Mussab
 
آلاء
 
shahir
 
ياسر almak
 
gidro87
 
Dr.S
 
بشير الطيب
 
Google Search
زوار المنتدى

.: عدد زوار المنتدى :.


شاطر | 
 

 زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق   الثلاثاء مايو 21, 2013 6:54 pm


(1) :
يقع البيت في شارع جايزكالنس. يمكنك أن ترى نهر جاوجا على بُعد أمتار..
ليس شارعا بالضبط، بل هو طريق مرصوف بالحجارة الصغيرة على غرار شوارع كثيرة في لاتفيا..
المكان والوجوه والجو العام يذكّرك بالحرب العالمية الثانية، حتى تتوقع أن ترى دبابات البانزر الألمانية تبرز لك عند خط الأفق..
الوجوه كالحة والابتسامة نادرة؛ هناك جو عام من الخشونة وافتقار لروح الدعابة، لكن لا ننكر أن النساء فاتنات، يخيّل لي أحيانا أن الصورة المثلى للنساء خلقت هنا، ثم ارتحل بعضهن للشرق فاصفرّ لونهن وارتحل بعضهن إلى إفريقيا حيث أحرقت الشمس بشرتهن فاسودت. بعضهن رحلن إلى أوروبا فازددن شحوبا، المهم أن الأنثى الحقيقية الجديرة بالمعاجم تعيش هنا..
عند مدخل الدار، يمكنك ساعة الغروب أن ترى العجوز "هيلموت بولوديس" يجلس على كرسيه الهزّاز، وهو يتسلى بالسكين التي يحفر بها قطعة من الخشب. يمكنك أن تدرك من شحوب وجهه أنه لا يخرج كثيرا، الحاجبان الكثّان والعينان الغائرتان..
"هيلموت" ليس ودودا على الإطلاق؛ ليس له أصدقاء ولا يرحّب بالزوار، لكنه يصنع نبيذا جيدا في قبو داره، ويبدو أن هذا هو دخله الوحيد..
سوف ترى من بعيد زوجته "فانيا" وهي تحمل طبقا مليئا بالحبوب وتتجه إلى الفناء الخلفي لتطعم الدجاج، عجوز تضع على رأسها إيشاربا مزركشا، يمكنك أن تعرف هذا الوجه على الفور..
هناك ذلك الشاب الخشن طويل اللحية، اسمه "ألكسيس"، ابن "هيلموت" الأكبر، إنه يقف مستندا إلى الجدار ويدخّن لفافة تبغ خبيثة الرائحة.. لا بد أن لاتفيا لا تنتج تبغا جيدا.
الفتى النحيل الذي يحمل طعاما للخنازير في الفناء الخلفي هو "جاتيس" ابنه الأوسط، شاب وسيم كما ترى، ويروق للفتيات كثيرا..
هناك فتى مراهق يمشي في الشارع قاصدا شراء خبز، إنه الابن الأصغر "أرتور"، أما الفتاة رائعة الجمال التي تظهر من حين لآخر فهي "ناتاليا" ابنة الرجل..
إن الأسرة متماسكة جدا.. الشباب لهم بعض الأصدقاء، لكنهم أميل إلى الانطواء عموما. هذه الأسرة تزرع وتربي معظم طعامها، وعند المساء ربما يذهب اثنان من الإخوة في جولات غامضة ربما قرب النهر، وربما في البنايات الخربة الواقعة على بُعد..
لا أحد يعرف من أين يأتي دخل أسرة "هيلموت بولوديس" العجوز، لكنهم كانوا هنا دوما سوف يبقون..
في الحقيقة لا يحب معظم القرويين هذه الأسرة.. السبب هو التطيّر طبعا، لكن القس قال لهم إنه لا ذنب لهؤلاء الأبرياء.. عندما يموت أخو "بولوديس" العجوز عم الأولاد.. بعد أيام حدث فيضان واضطر الناس إلى فتح المقابر لإخراج التوابيت، ما حدث هو أنهم وجدوا جثة العم وقد فتحت ساقها، هناك قدم تستقر في ركن التابوت.. هم يعرفون يقينا أنهم لم يدفنوها بهذا الشكل..
القرويون تذكروا خرافاتهم وتذكروا أن العم كان السابع في سلسلة إخوته الذكور.. وهكذا ازدادوا قلقا فلم يطمئنوا إلا عندما وضعوا قطعتين من الفضة على عيني الميت وحشوا فمه بالثوم..
المشكلة في هذه البلدان أن الصراع بين الكاثوليكية والأرثودكسية كان عنيفا، وهنا برزت مشكلة الجثث التي لا تتعفن تحت الثلج.. أتباع أحد المذاهب زعم أن الجثث لم تتعفن لأن أصحابها قديسون.. المذهب الآخر زعم أنهم لم يتعفنوا لأنهم مصاصو دماء!
لكننا لسنا في زمن حرق الساحرات، لهذا لم يحدث شيء للأسرة.. لم يصل الخبل بأحد أن يفترض أنهم مصاصو دماء، لكن كان هناك جو من عدم الاستلطاف.
لنفس السبب لم يتقدم أي شاب للحسناء "ناتاليا".. لا أحد يريد التورط بدخول هذه الأسرة. بالطبع حاول الكثير من الشبان أن يعبثوا، لكنهم تلقوا علقة ساخنة من أخيها الخشن ألكسيس، إنه يمسك بالشاب فيجندله ويحلق أهدابه وحاجبيه.. يمكنك عند الصباح أن تدرك أن هذا شاب تحرّش بـ"ناتاليا".
هكذا تمضي الحياة بلا تغيّرات..
إلى أن ظهرت "زوزانكا"..
"زوزانكا" اسم محبب في لاتفيا كما لا بد أنك تعرف، وهو تنويع على اسم "سوزانا".. كان الجميع يعجبون بـ"زوزانكا"..
هي فتاة رقيقة لعوب قليلا وشديدة الذكاء. إن أمها فخورة بها لكنها قلقة عليها من دون جوانات البلدة، ولكن "زوزانكا" يقود خطاها غرور الصبا، وتعتقد أنها قادرة على أي خطر وأي شخص..
الكل يحب "زوزانكا" ويتودد إليها، خصوصا عندما تمشي في سوق السمك متبخترة، وتسمع موسيقى تنبعث من مذياع ما فتأتي بحركات راقصة خفيفة رشيقة.. عندها يجن الشباب..
"زوزانكا" صاحبة العينين العميقتين..
"زوزانكا" ذات القدمين الدقيقتين..
غرور الصبا والثقة بالنفس يقودانها، لهذا في تلك الليلة السوداء عادت من عند صديقتها "ليلى إزرجاليس" في ساعة متأخرة، ولأنها مغرورة فضّلت أن تمشي عبر الغابة التي تقع خلف البنايات، وهي منطقة لا يجرؤ شاب على المضي فيها ليلا.
لا تعرف متى ولا كيف شعرت بأن هناك من يقفو أثرها؛ جدّت في المشي، ثم أدركت أن شابين يتبعانها في إصرار، التفتت للخلف فرأت الشابين "أندريه" و"ميخيلس".. هما معجبان بها جدا وقد أدركت أن وجودهما هنا في الظلام ليس بريئا..
أطلقت بعض السُباب، والسُباب صار صراخا، ثم استغاثة صريحة، وقد أدركت ما ينويان.. خارت قواها، لقد تصرفت بحماقة فعلا؛ إنهما ثملان تماما..
المشكلة في هذا الظلام أنك لا ترى شيئا تقريبا، وهم بعيدون عن أسماع الناس..
لا تعرف متى ولا كيف وجدت الشاب الأول يطير في الهواء، ارتطم ببعض الأشجار ثم سقط. ثم رأت الشاب الثاني يرتفع من عنقه ليسنده حامله إلى جذع شجرة، وكان الشاب مذعورا توشك عيناه على مغادرة المحجرين..
سمعت الفتى يقول في الظلام:
- أنزلني يا "جاتيس"؛ أنا أختنق..
ثم سمعت صوت "جاتيس" الشاب ابن "هيلموتس" الأوسط يقول:
- بوسعي أن أفتك بك يا وغد ولن أدفع لك دية!
ثم تركه يسقط أرضا ووجّه له ركلة أخيرة..
لم تصدق ما حدث ولا المعجزة التي أنقذتها. بالنسبة إليها كادت ترى لـ"جاتيس" جناحي ملاك.. ولا تعرف كيف تركت يدها الصغيرة تنام كعصفور صغير في كفه وهو يقودها خارج تلك الغابة، إلى حيث بيتها..
كانت هذه هي البذرة الأولى التي زرعت الحب في قلب "زوزانكا"..
لم تستطع قط أن تنسى هذه الليلة، وكيف حط كالنسر على الفأرين اللذين تحرّشا بها..
لم تسأل نفسها عن سبب وجوده في الغابة في تلك الليلة.. لم تسأل نفسها عن الكيفية التي رأى بها في الظلام الدامس ولا كيف سمع صرختها.. لم تسأل نفسها عن القوة الكاسحة التي قهر بها شابين ضخمين..
كان على "زوزانكا" أن تتعلم الكثير..
****

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق   الثلاثاء مايو 21, 2013 6:56 pm

(2) :
شجرة الصفصاف شهدت على قصة الحب الوليدة.. نقش قلب لا بد حُفر بسكين، ولا بد أنه وجد من قبل الكون. جاتيس والعزف على الهارمونيكا.. الليل الزاحف على الغابة، ولكنها تعرف أنها معه. يكتب الحب كلماته الأولى على العشب..
جاتيس يطمئن على بذرة الحب الأولى.. يسقيها بكلمات ليست كأي كلمات.. هل أنت ساحر؟ من أين تأتي بعبارات كهذه؟ عبارات تشعرها بأنها ملكة وملاك في آن. ثم هاتان العينان.. اللعنة على هاتين العينين.. إنهما قادرتان على غزو قارات كاملة.. قادرتان على غزو الصين.. قادرتان على ترويض الذئاب في التايجا.. فكيف لا تقدران على قلب امرأة غض؟!
زوزانكا صاحبة العينين العميقتين..
زوزانكا ذات القدمين الدقيقتين..
زوزانكا قد وقعت في حب جاتيس ابن هيلموتس..
وجاء اليوم الذي رأت فيه زوزانكا الفتى وقبعته في يده.. يقف على بابها ويبتسم لأمها في خجل. يقول إنه لا يقدر على العيش من غير زوزانكا.. إنه يريد الزواج..
معه كانت أمه فانيا ترتدي ما خيّل لها أنه ثياب أنيقة.. النتيجة أنها بدت كساحرة شريرة في قصة أطفال.
كانت زوزانكا تعرف رأي أمها مقدما وتعرف أنها لن توافق؛ لا أحد يرتاح لآل بولوديس في ضاحية لاتجاليا كلها. لكن ما حدث كان شبيها بالمعجزات.. كأنها عصا الساحر..
كانت جلسة طويلة في دارها. وتناولوا الكعك والنبيذ، وفي النهاية أدركت بمعجزة أن أمها موافقة على الزواج.. صحيح أنها لا تقدر على الاستغناء عن زوزانكا لكن هذه سُنّة الحياة.. والعريس لا يطلب دوطة.. لا يريد سوى زوزانكا. سوف تقيم الفتاة في بيت الأسرة..
كانت زوزانكا تتوقع أن يسبب هذا مشكلات مع خالها وعمها اللذين جاءا ليحضرا المفاوضات، لكن لم يبد أن هذا يسبّب لهما مشكلة.. كأن الغيوم انشقت وجاء الأمر العلوي: زوزانكا لجاتيس.. فليوافق الجميع..
النشوة في عين جاتيس.. الرضا في عين أمه..
تقول فانيا وهي تلتهم بعض الكعك:
ـ لم أفكر قط في تزويجه، لكن الفتى صار مجنونا.. لا يريد سوى الزواج من زوزانكا.
لا تدري إلا وقد أقيم حفل زفاف بسيط في المرج الخلفي للكنيسة، وقد حضر عدد محدود من القوم لأن أحدا لا يحب هذه الأسرة.. من جاء جاء ليأكل..
على منضدة جلس هيلموتس بولوديس يقطع فخذا من اللحم بالسكين، وهو مقطب كعادته.. هذا الرجل لا يضحك أبدا كما تعرف.. لم يهنّئ العروس ولم يقل لها شيئا..
فقط عندما لم يكن هناك من ينظر إليها، دنا منها القس وقال همسا:
ـ أتمنى لكِ زيجة سعيدة.. لكن أرجو أن تكوني حذرة..
لم تفهم ما المقصود بالحذر، فقال:
ـ لا تتدخلي في شيء.. لا تتدخلي فيما لا يعنيك.. الزوجة الفضولية مكروهة في كل الأوساط الاجتماعية. وأنتِ ستقيمين معهم في دارهم.. الحقيقة أن لنا جميعا أسئلتنا حول هذه الأسرة.. لا نعرف من أين يكسبون.. لماذا يعتزلون المجتمعات؟ قصة ذلك العم الذي تحركت قدمه إلى ركن التابوت. بالطبع لن أثير ذعرك لكنهم كذلك لا يذهبون للكنيسة أبدا.. إن غير المتدينين في كل مكان. لكني لا أثق بهم كما تعلمين.
هي سمعت كل كلمة لكنها لم تصغ.. أنت تعرف الفارق بين الإصغاء والسماع، كما كانوا يعلموننا في المدرسة..
وهكذا دخلت زوزانكا بيت آل بولوديس..
*******
الأشخاص الذين يختفون هم من ضواحٍ بعيدة جدا. لم يكن أحد يعرف عنهم الكثير وبدا الكلام عنهم غامضا متحذلقا.. عندما تختفي فتاة شابة حسناء فأنت تفكر أولا في الهروب.. هربت مع حبيب. عندما يختفي سكّير مسنّ فأنت تفكر في النهر.. هناك من يسقطون في النهر ولا يظهرون ثانية أبدا..
لم تهتم زوزانكا كثيرا بهذه القصص..
كانت غارقة في الحب وفي السعادة مع هذا الفتى الوسيم الظريف الذي صار لها..
كان رقيقا وكان ودودا.. لكنها ظلت تشعر بأنها لم تخترق عالمه بعد.. هناك منطقة محرّمة لم تستطع أن تجتازها.. وظلت تتساءل عما يوجد خلف هذه المنطقة..
كانت لهما غرفة صغيرة في ركن الدار تطل على الفناء الخلفي حيث يمرح الدجاج والخنازير، وقد حرصت على أن تزيّن النافذة بالأزهار وتضع ورقا ملونا مزركشا قامت بقصّه.. المحاولة غير المكلفة لجعل الحياة أجمل.
كانت تخرج لتقف في الفناء الخلفي تداعب الدجاج أو تعابث قطة يتصادف أنها هناك.. بينما يطل جاتيس من النافذة الصغيرة عليها وقد أراح ذقنه على ساعديه القويين..
بعد لحظات تلحق بها ناتاليا وهي تحمل المزيد من طعام الدجاج.. ناتاليا جميلة جدا لكنها منغلقة. هل تحمل شيئا من الحسد لأنه لا يوجد عرسان يطلبون يدها على الإطلاق؟! لديها نادٍ من المعجبين لكن لا يوجد خُطّاب..
حموها ليس ودودا ولا تراه تقريبا إلا وقت الغذاء.. نفس الكلام ينطبق على ألكسيس الأخ الأكبر.. إنه قريب جدا من أبيه ولهما نفس الطباع الذئبية المتفردة..
كانت تعرف يقينا أن أرتور وألكيسيس يخرجان ليلا..
كانت تقف في الفناء ذات مرة والظلام دامس فاستطاعت أن ترى الأخوين ينسلان خارج البيت.. ثم أدركت أن هذا يتكرر كل ليلة.. إلى أين؟ لو كانا يلهوان ويعبثان لعرفت، ثم إن المرء لا يعربد بصحبة أخيه.. على قدر علمي أنا، لم يفعل أحد هذا سوى ياسين وكمال بطلي ثلاثية نجيب محفوظ..
لم تر أحدا يصلي في البيت، لكن هناك غرفة صغيرة بها ما يشبه المحراب، وفيها صليب.. أغرب صليب رأته في حياتها لأنه أقرب إلى حرف T المقلوب.. لا تذكر كذلك أنها رأت من يصلي في هذا المحراب الضيق..
كانت تعرف كذلك أن هناك قبوًا.. هناك باب خشبي مغلق على الدوام، وعليه قفل غليظ.. لكنها تعرف أن حماها يهبط في هذا القبو كثيرا..
خطر لها أن الأسرة تصنع النبيذ، فلا بد أن الأب العجوز يقطر الخمور هناك.. لا بد أن المشهد عبارة عن براميل عملاقة على الجانبين.. لا بد من فئران كذلك..
هناك ملاحظة أخرى غريبة.. هذه الأسرة لا تستعمل الثوم أبدا. هناك وصفات طعام لاتفية كثيرة تعتمد على الثوم بشدة لكنهم لا يستعملونه أبدا، ويقال إنهم مصابون بحساسية بالغة نحوه..
في الحقيقة كانت حياتها على ما يرام.. لا علاقة لها سوى بزوجها الحبيب.. ولا أحد يضايقها من الأسرة.
ما كان أغناها عن محاولة الفهم! ما كان أغناها عن محاولة التسلل للقبو! لكنك تعرف متلازمة الضحية الغبية التي تميز أفلام الرعب.
كان لا بد أن تفعل ذلك بعد حادث الفجر، وما رأته عندما عاد أرتور وألكيسيس.
***

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق   الإثنين يونيو 10, 2013 4:24 pm

(3) :
ظل سكان لاتفيا يمثّلون حالة وحدهم بالنسبة لأوروبا كلها. كانت أوروبا كلها تنبذ الوثنية وتعتنق المسيحية.. راحت حصون الوثنية تنهار أمام زحف الصليب، وكانت المسيحية تضم إليها معظم الأعياد الوثنية القديمة لتجعلها ذات طابع مسيحي.
تذكر أن الهالوين كان ليلة لجميع الشياطين فصار ليلة جميع القديسين. و"بان" إله المراعي الذي يشبه التيس حوّلته المسيحية إلى الشيطان كما نتخيله ونراه في الرسوم. لكن المبشرين الذين وصلوا عبر النهر إلى لاتفيا كانت أمامهم مهمّة شاقة جدا..
لم يكن أهل لاتفيا مستعدين لقبول المسيحية بسهولة. احتاج الأمر إلى جيش من الصليبيين الألمان ليرغموا اللاتفيين على اعتناق المسيحية..
ترى هل اعتنقها الجميع حقا؟
*****
هناك في حانة البلدة القريبة تمدد الجسد..
يقف حشد من الأهالي مطرقين وقد نزعوا قبعاتهم، وكانت هناك أكثر من امرأة عجوز تضرب صدرها بقبضتيها.. لقد كان المصاب فادحا..
هناك على المنضدة تمددت الجثة.. جثة الشابة "إنجونا بروكا".. تبدو مثل حورية ماء ماتت وقذفها المد على الشط. صورة للجمال النائم.. يصعب أن تصدق أنها ميتة، والأسوأ أن ترى كيف تمزّق عنقها بشراسة..
هذه المرة لم تختف الفتاة تاركة وراءها عشرات الأسئلة، مع إشاعات عن فرارها مع شاب وسيم. هذه المرة لم تختفِ.. هذه المرة وجدها صبية يلعبون تحت الجسر قرب النهر. لو لم يجدوها لقالوا إنه اختفاء غامض آخر.
قال القومسيير وهو يصفق بيديه:
- هلم.. لا أحد يقف هنا سوى أقاربها.. هذا ليس سيركا.
لكن أحدا لم يبتعد؛ الموقف كان أقوى من هيبة السلطة. ودنا منه "فكتورس ألكسينيس" ووضع يده الغليظة القوية على كتفه كأنه يداعب طفلا، وقال وهو يرسم على وجهه ضحكة صفراء:
ـ عزيزي القومسيير.. ألم تفهم بعد؟ّ هذه الجثة تدل على أن مخاوفنا حقيقية.. لسنا مجموعة من البلهاء المتطيرين.
رسم القس علامة الصليب وقال:
- هناك تفسير منطقي يا "فكتورس".. ليس الأمر كما تظن. هذه خزعبلات.
قال "فكتورس":
ـ هناك مصاص دماء يا أبت.. من اختفوا قتلهم مصاص دماء.. لقد أشرقت شمس الحقيقة فلم يرها الحمقى والعميان.. عنق الفتاة ممزق بوضوح.
ثم صاح بلهجة آمرة:
ـ عندما ندفن هذه الفتاة علينا أن نتيقن من أنها لن تنهض ثانية لتفتك بأطفالنا.. سنحشو فمها بالثوم ونضع عملتين فضيتين على عينيها.
قال رجل مسن من الواقفين:
ـ كنا في زمني نقطع الرأس ونغرس وتدا في الصدر!
هنا انقضّت عليه امرأة شائبة ترتدي السواد فوجّهت له لكمة قوية في صدره، ثم صاحت كأنها نمر مفترس:
ـ فليدنُ أحدكم من ابنتي ولسوف أنتزع قلبه بأظفاري!
راح القس يهدئ الواقفين؛ كلمات كهذه لا تقال لأم تقف أمام جثة ابنتها، إن الناس يتصرفون بقسوة عندما يتعلق الأمر بمصاصي الدماء. هل قال "مصاصي دماء"؟ نعم.. فهو في قرارة نفسه كان يدرك أن هذه هي الحقيقة على الأرجح.
على كل حال هو لا يرى مانعا من ملء فمها بالثوم وموضوع قطعتي العملة. سيتم هذا سرا ولن تراه الأم، لأنه سيتم قبل نزول التابوت.
المشكلة الأخرى هي أنه صار على يقين من وجود مصاص دماء، وهذا المسخ سوف يجلب الوباء للمنطقة. كانت لديه نسخة من كتاب "مصاص الدماء: أصله وفصله" الذي كتبه مونتاج سومرز عام 1928، وهو مترجم للغة يستطيع قراءتها.. كان يؤمن أنه كلام فارغ.. لكنه اليوم يريد أن يطالعه من جديد..
*****
كان "جاتيس" نائما يغط، وكان الطقس خانقا..
شعرت بأنها عاجزة عن النوم.. نهضت واتجهت إلى خارج البيت واستندت على الشرفة التي تطل على الشارع حيث يجلس "هيلموتس بولوديس" وقت الغروب. الآن تجد أن الظلام دامس وهي لا ترى شيئا تقريبا. بدأ الفجر يقترب وتلوّن الأفق الشرقي بلون أزرق كأنه حبر سكبه أحدهم في إناء ماء. بدأ اللون يتزايد وسمعت أكثر من ديك يصيح من بعيد. شعرت بقشعريرة.. يجب أن تعود الآن..
هنا رأت شبحين قادمين من بعيد.. أدركت على الفور أنهما "أرتور" و"ألكسيس". يمشيان ببطء شديد فما السبب؟ أمعنت النظر فأدركت أنهما يحملان شيئا ثقيلا. هرعت إلى داخل البيت وتوارت أسفل السلم لتراقب. من هنا كانت تَرى ولا تُرى.. سمعت أنفاس ولهاث الرجلين وهما يحملان هذا الشيء. دققت النظر أكثر فرأت أنه شيء ضخم أقرب إلى جسد. لا تستطيع التدقيق في الضوء الشاحب..
ـ تعال يا "ألكسي".. ساعدني.
يتقدمان نحو باب القبو الخشبي.. يفتحانه ثم يدلفان إلى الداخل. بعد قليل رأتهما يغادران المكان. هل هذا دم على وجه "أرتور"؟ نعم هو كذلك.. وهو ليس دمه..
إنهما يرحلان.. يقصدان غرفتهما في مؤخرة الدار..
عندما عادت إلى زوجها النائم كان رأسها يعج بالأسئلة. هناك سر يحيط بهذه الأسرة.. والمصيبة أنها صارت جزءا منها.. هل يحق لها أن تعرف؟ قال لها القس يوم زواجها: "لا تتدخلي في شيء.. لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ؛ الزوجة الفضولية مكروهة في كل الأوساط الاجتماعية. وأنت ستقيمين معهم في دارهم". لم تدرِ كم أن هذا الكلام دقيق إلا اليوم.
وهكذا اتخذت قرارها.. سوف تدخل القبو.. يجب أن تعرف..
لا تفعلي يا "زوزانكا".. أرجوك لا تتصرفي كالضحية الغبية في أفلام الرعب.. الضحية التي تتوغل في الغابة وحدها ليلا، أو تفتح تابوت مصاص الدماء بعد الغروب، أو تفتح الباب للمذءوب الذي يدق الباب..
لكن القبو كان يطاردها في كل وقت.. يزور منامها.. يملأ أحلامها..
ذات مرة سألت جاتيس عما يوجد هناك، فقال متظاهرا باللامبالاة:
ـ قبو.. ماذا يوجد في قبو سوى رطوبة وعفن وفئران!
ـ وبراميل خمر؟
ـ نعم.. براميل خمر.
حتى الفئران غير موجودة.. يبدو هذا غريبا؛ كانت تعتقد أن القبو يعج بالفئران، وهذا شيء بديهي، ثم فطنت إلى أنه لا توجد فئران في البيت.. الفئران مخيفة لكن عدم وجودها مخيف أكثر..
جاتيس غيّر الموضوع وأغلقه بألف مفتاح. لم يعد الكلام واردا..
******
جاءت الفرصة بسرعة غير متوقعة..
لقد جاء صبي مذعورا إلى البيت يخبر الأسرة أن ناتاليا قد سقطت قرب النهر وكسرت ساقها.
دبّت الفوضى واندفع "أرتور" و"ألكسيس" وراء الصبي نحو بيت الطبيب. هرعت الأم مع زوجها الذي لا يغادر الدار أبدا.. لم يكن "جاتيس" في البيت وقتها. الجميع انطلق ليطمئن على الفتاة..
هكذا أدركت "زوزانكا" الحقيقة المروّعة الرائعة. هي في البيت وحدها.. يمكنها أن تتسلل إلى القبو.
لكن كيف تفتح الباب الخشبي اللعين؟
***

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق   الإثنين يونيو 10, 2013 4:29 pm

(4) :
تتذكر زوزانكا أن هناك مجموعة من المفاتيح في المطبخ معلقة إلى مسمار هناك فوق الموقد. مفاتيح غليظة كئيبة صدئة تعيد لذهنك كوابيس قديمة عن ذي اللحية الزرقاء والغولة.. إلخ.
يجب أن تتصرف بسرعة..
هرعت إلى المطبخ وتناولت مجموعة المفاتيح تلك والتي رُبطت بحبل.. ثقيلة غليظة.. ترى أيها المفتاح المقصود؟ من المؤكد أن ألكسنيس معه نسخة أخرى.. لا تعرف إن كانت هناك نسخة مع جاتيس زوجها. لقد فتشت غرفة النوم بعناية..
تهرع إلى القبو وتولج المفتاح الأول في الثقب.. كروك كروك! لا يفتح..
تجرب المفتاح الثاني.. ثم تذكرت لعبة النحس القديمة: لا بد أن آخر مفتاح هو الصحيح! انتقت آخر مفتاح وأولجته في القفل.. بالطبع لم يفتح لسبب بسيط هو أن آخر مفتاح صار هو الأول!
في النهاية وبعد محاولات مرهقة انفتح الباب..
باب خشبي عتيق هو.. مناسب هو جدا للرعب. كانت تحمل في يدها فانوسا صغيرا له ضوء خافت مقبض. هناك درجات تهبط لأسفل..
في حذر تخطو.. تسمع صرير الدرجات.. دائرة ضوء تتحرك..
السقف فيه وطاويط.. لا شك في هذا.. المشهد البشع الذي يذكرك بفئران مجنحة معلقة من أعلى. هذا طبيعي. مكان كئيب كهذا لا بد أن يحوي الوطاويط.. ليتها كانت فئران.. الفئران مخيفة لكنها أقرب إلى عالم الأحياء. عندما يجري الفأر على قدم المرأة تصرخ وترفع ثوبها ثم تثب على أقرب مقعد.. هذا شيء طبيعي.. شيء دنيوي.. أما الوطاويط فهي تجعل الدم يتجمد في عروقك فلا تجرؤ على الصراخ ذاته..
برغم هذا واصلت زوزانكا الباسلة المشي.. كانت هناك براميل عدة على الجانبين.. فعلا هذا مكان لتقطير الخمور وتعتيقها. هناك مخزون من البصل واللحم المقدد.. وكالعادة لا يوجد ثوم..
هذا الصوت؟ هل يكونون قد عادوا؟ إن النهر قريب على كل حال، لكنك لا تستطيع أن تذهب هناك وتحمل فتاة كسرت ساقها ثم تعود بهذه السرعة..
لا تستطيع تخيل ما قد يحدث لو عادوا ورأوها.. زوجة الابن في قدس الأقداس.. القبو حيث لا يدخل أحد..
إن الباب السري هناك على الأرض. باب صنع من خشب عتيق وله مقبض، وسط الخشب الذي كسيت به الأرض كانت رؤيته عسيرة، لكنها استطاعت ذلك.. السبب أنها توقعت وجوده.. السر لم ينتهِ هنا.. الأمور ليست بهذه البساطة والسطحية.. لا بد من باب سري وقد وجدته..
*****
الأطفال هم الذين وجدوا الجثة كالعادة..
دائما هناك كرة، ودائما ما تهرب الكرة إلى ركن يصعب الوصول إليه.. حفرة.. منخفض.. خلف شجرة.. مجرى.. جدول.. يركض أحد الصبية ليجلب الكرة فيجد الجثة الممزقة التي بدأت تتحلل ونهشت منها الذئاب أو الكلاب أجزاء. لا بد أن يصرخ.. لا بد أن يلحق به الآخرون، ثم يركض الجميع مذعورين إلى فكتورس ألكسنيس الذي يعرفون لسبب ما أنه مهتم بهذه الجثث..
فكتورس ألكسنيس أدرك الخطر.. للمرة الثانية يجد الصبية جثة ممزقة. يمكن القول باطمئنان الآن إن من اختفوا من البلدة من قبل لاقوا نفس المصير..
وعندما ركع جوار الجثة وتفحصها جيدا أدرك أن العنق ممزقة.. ليس بفعل الذئاب ولكن قبل هذا بكثير.. هذه جثة فتاة بائسة اسمها روتانيا ألدا. طلب مجيء القس والتفّ الرجال حول الجثة وقد جعلهم الذعر والغضب كيانا وحشيا كاسحا لا عقل له.. وحشا أسطوريا من الأساطير الإغريقية..
مصاص دماء.. هناك مصاص دماء في بلدتنا..
أشعل فكتورس ألكسنيس لفافة تبغ خبيثة الرائحة وتأمل الوجوه، ثم قال:
- أنتم تعرفون من..؟
القس تساءل في دهشة:
- فعلا من؟
- أنت تعرف يا أبتِ أننا نتكلم عن العجوز هيلموتس بولوديس وامرأته فانيا وأولاده.
- هذا لا يطاق.. الوثب إلى استنتاجات غبية بهذا الشكل..
لكن الواقفين تذكروا أشياء كثيرة. أسرة غريبة الأطوار.. أسرة لا يعرف أحد مصدر دخلها.. أسرة لا تذهب للكنيسة أبدا ولم ير أحد عائلها في النهار.. العم الذي كان سابع إخوته الذكور، ورجله المفتوحة لتستقر في ركن التابوت..
الشابان أندريه وميخيلس كانا واقفين هنا، وقد حكيا قصة عن جاتيس ابن الأسرة الأوسط.. لقد كان يتحرش بفتاة فدافعا عنها.. لكنه حطمهما بقوة جديرة بالشياطين.. لقد طار الرجلان في الهواء كأن إبليس نفسه وجه لكل منهما ركلة..
كان هذا كافيا كي يزداد جنون القوم..
كان القس ينهزم ببطء.. منذ قليل كان ينكر وجود مصاص دماء، ثم قبل هذا.. الآن ينكر أن مصاص الدماء من آل بولوديس ثم سوف يعترف بهذا.. لن يمر وقت طويل حتى يطالب الرجال بحرق بيت تلك الأسرة..
كان الغضب في العيون.. والنفوس تتوهج مثل المشاعل بالضبط.. عندما يتكلم هياج الجماهير يخرس العقل.. المجد للانتقام والموت..
وقال فكتورس ألكسنيس وهو يخاطب الواقفين:
- سوف نقتحم دارهم فجرا.. سوف نتبين الحقيقة.. لن نفعل أي شيء قبل أن نتبين الحقيقة
فارتفعت غمغمات الاستحسان..
*****
استمر هبوطها في الدرج المصنوع من صخور متآكلة..
على ضوء المصباح تدرك أنها تدخل مكانا لا قبل لها به.. قلبها يخفق بلا توقف..
ترى الآن نهاية الممر.. شيء يشبه الكهف.. إنها بالفعل على حافة كهف.. المشكلة هنا أن هناك إضاءة غريبة غامضة تغمر المكان.. من أين تأتي؟ هي بالتأكيد تحت الأرض.. لا شك في هذا..
دنت أكثر من الفتحة ونظرت..
هناك قاعة فسيحة.. وهناك توابيت متراصة على الجانبين. إضاءة غامضة تأتي من موضع ما.. إنها مقبرة.. مقبرة منسية..
على قدر ما تعرف هي ليست في مقبرة البلدة.. المسافة التي قطعتها لا تسمح بأن تكون في مقبرة البلدة..
ركلت حجرا بقدمها فلاحظت أنه طار لمسافة غير عادية، ثم غيّر اتجاهه في الهواء وعاد إلى جانب! مدت يدها تلتقطه وقذفته إلى الأرض ثانية.. هنا وجدته يحلق نحو السقف.. كأن الجاذبية تأتي من أعلى لا من الأرض..
هذا المكان يتصرف بقواعد فيزيائية خاصة به.. لا توجد قواعد باختصار شديد..
يجب أن تعرف أكثر..
لكن الوقت الآن لا يسمح إلا بأن تعود أدراجها.. يكفي هذا.. لقد جاملها الحظ أكثر من اللازم ولا يمكن أن تجازف أكثر..
هكذا هرعت إلى الدرج من جديد.. رباه! لم تعرف من قبل أن قدميها من المكرونة المسلوقة وأن قلبها واهن بهذا الشكل..
صعود الدرج متعب فعلا.. تجتاز الفتحة في أرض القبو وتعيد غلق الباب السري..
تهرع عبر القبو.. تلاحظ أشياء غريبة لم تلحظها من قبل.. أشياء مرعبة.. لكن لا وقت لأشرح لك.. المهم الآن أن تخرج قبل أن...
تصعد الدرجات وتجتاز الباب الخشبي..
- لا تجزعي.. لا تفقدي روعك.. يجب أن تعيدي المفاتيح للمطبخ ثم تجلسي في انتظار زوجك كأي زوجة صالحة لم تفتش قبو زوجها..
المفاتيح؟ أين هي؟ تركتها معلقة في الباب عندما دخلت.. لكن أين هي؟
ثم أدركت أنها ليست وحدها..
نظرت للخلف فرأت حماها وزوجته وألكسيس وارتور وزوجها جاتيس.. حتى ناتاليا كانت هناك مضمدة الساق تستند على كتف أخيها، وتتوكأ على عكاز من غصن شجرة...
كلهم كانوا واقفين ينظرون لها في صمت.. حتى عيونهم كانت صامتة..
***

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق   الإثنين يونيو 10, 2013 5:03 pm

(الأخيرة) :
متى عادوا؟
كيف لم تشعر بهم؟
كانت تتراجع بظهرها إلى الخلف وهي تدرك أنها قد فضحت.. لا يوجد تفسير واضح سوى الفضول، وهم لن يصدقوا موضوع الفضول هذا..
كان حموها ينظر لها نظرة نارية ثابتة.. الوجه الشاحب والعينان الغائرتان كأنما لا وجود لهما. العينان اللتان تختلسان النظر من وراء حاجبين كثّين.
ألكسيس هو الآخر كان يعقد ساعديه على صدره ويرمقها وثمة شبه ابتسامة خافتة على شفتيه. وجاتيس كان ينظر لها في حيرة، بينما ترمقها ناتاليا في توحش..
قال هيلموتس بولوديس:
- كان علينا أن نتوقع هذا.. عندما نغفل عن الثعلب يتسلل إلى الكرار..
وقالت زوجته فانيا:
- حسبناك صرت منا.. لكننا كنا مخطئين.
لا تعرف كيف وجدت ألكسيس يقف خلفها ويلوي ذراعها، فنظرت مستغيثة إلى جاتيس لكنه تجاهل نظرتها، كأنه يقول: هذا أقوى مني.. أنا آسف..
تساءل جاتيس بصوته الغليظ:
- إلى أين يا أبت؟
قال بولوديس:
- غرفة الغسيل يا ألكسي.
وكانت هي تعرف تلك الغرفة الضيقة.. تشبه الزنزانة فعلا. سوف تكون لحظات قاسية هناك. لقد سقطت الأقنعة وآل بولوديس يعترفون أن لديهم سرا مروّعا.. والسبب في سجنها؟ لا بد أنها عرفت أكثر مما ينبغي أو هم يفترضون ذلك.. يجب أن تعرف أكثر..
هناك وجدت نفسها في الغرفة الرطبة المظلمة وسط أكوام الغسيل القذر وبرميل الماء وقطع الصابون، وشمعة.. وسمعت الباب يوصد بالمفتاح..
جلست على كومة الغسيل وقررت أن تنتظر..
*****
لم يتأخر الاقتحام قليلا.
عند الثانية بعد منتصف الليل نبح كلب.. كلبان.. ثم تحول الشارع إلى بؤرة جنون..
كان الأهالي يحملون المشاعل ويقودون كلبين شرسين من مقوديهما، والموكب يتقدمه فكتورس ألكسنيس. وعلى باب الدار وقف الرجل الضخم ومن خلفه أندريه وميخيلس وصاح مناديا:
- هيلموتس بولوديس.. بحق الرب اخرج وكلّمنا.
تأخر رد الفعل قليلا، ثم انفتح الباب وظهر ألكيسيس وجواره أرتور. خلفهما رأى الرجال الأب العجوز وناتاليا.
كان منظر الرجال يثير الذعر في النفوس، لكن أليكسيس من الطراز الذي لا يخاف ولكن يغضب كما قلت لك، لذا لوّح بشيء في يده.. كانت هذه بلطة.. بلطة صغيرة الحجم لكنها فعالة، وقال:
- هذا حشد من عشرين رجلا يريدون انتهاك حرمة دارنا.. ولماذا؟ أنت تعرف يا فكتورس أن أسرتنا لن تسمح لرِجل غريبة بأن تخطو في دارها.
قال فكتورس:
- نحن لا نريد سوى إلقاء نظرة. علامات استفهام عديدة تدور حول هذا البيت كما تعلم.
- ونحن لن نسمح لأحد بالدخول.
هنا دنا الرجال أكثر، وبدا واضحا أنهم سيقتحمون المكان بقوة.. حرب العناد بين طرفين متصلبي الرأس. طوّح ألكسيس بالبلطة في الهواء وهو يصيح:
- يا حمقى! لا نريد قتلى على عتبة دارنا..
لا نعرف ما حدث بالضبط.. هذه أمور يصعب أن تصفها بدقة. يبدو أن البلطة هوت بشكل ما على رأس أحد الرجال الواقفين وهو ميخيلس غالبا، وهكذا سقط ميتا.. وفي اللحظة التالية دب الجنون في الواقفين الذين اشتعلت نفوسهم أصلا كالمشاعل التي يحملون. تطايرت القبضات في الهواء.. سقط الأب تحت الأقدام.. دفع أحدهم الأم بعيدا.. تلقى أرتور ضربة بالعصا على رأسه..
واندفع الرجال داخل البيت يحطمون ويهشمون.. وفي بعض الحجرات ألقى بعضهم المشاعل ليحرق المكان. لم يكن لهذا داعٍ سوى الحس الدرامي الذي يقتضي وجود نيران لتكتمل الصورة.. كل منا يحمل في داخله مخرجا سينمائيا كما تعلم..
جرى الرجال في كل مكان وبعثروا كل شيء..
هتف أحدهم وهو يفتح باب غرفة صغيرة:
- هنا محراب.. لكن ماذا يفعلون به؟
وألقى نظرة للداخل فرأى ذلك الصليب الصغير الذي يشبه حرف T المقلوب.. وخطر له أن هذا مكان يُعبد فيه الشيطان.. لكن الرجال عندما دققوا أكثر أدركوا أنه صليب عادي الشكل مصنوع من معدن برّاق.. الصدأ غطى فرعه السفلي فجعله يبدو عندما تراه من الباب كأنه حرف T مقلوب.
كان فكتورس ألكسنيس قد بدأ يشعر بالقلق.. لا توجد علامات مشئومة في هذا البيت، ومعنى هذا أن هذه المذبحة لم تكن ضرورية.. لكنه لم يستبق شيئا.. هم الذين بدءوا القتل..
بعض الرجال نزلوا إلى القبو.. ثم عادوا قائلين إن هناك أجزاء من حيوانات ممزقة..
لصوص ماشية.. الأمر واضح.. كان ألكسيس وأرتور يتسللان في الظلام إلى المزارع القريبة ليقتلوا خرافا أو عجولا صغيرة ثم يفرون بها. لا بد أن هذا مصدر دخل الأسرة وطريقها للعيش.. سرقة الماشية وتقطير الخمور..
- لا يوجد شيء آخر؟
- لا شيء.. ولا حتى الفئران.
راح يفكر في عمق، ثم تذكر:
- أين ذهب جاتيس؟ وأين امرأته الشابة زوزانكا؟ هي ليست منهم ولربما قتلوها أو عذبوها.
هنا وجد أحدهم غرفة الغسيل.. كان الباب مواربا.. هكذا فتح الباب ودخل وهو يلوّح بمشعله..
فوجئ على الفور بجاتيس يثب عليه وهو يحمل حجرا ثقيلا.. صرخ الرجل:
- الغوث يا فيليس أباكوكس!
هرع فيليس المذكور إلى الغرفة وانقض على جاتيس واستطاع أن يشل يده الممسكة بالحجر، ووجّه له عدة لكمات. في الواقع ثبّته الرجلان إلى الجدار الرطب وراحا يوجهان له ضربات متوالية. أما ما حدث بعد هذا فمشهد لا يمكن أن يُنسى..
لقد طار الرجل الأول ليضرب الجدار ويتهشم رأسه، أما الرجل الثاني فشعر بيد من حديد تمسك بعنقه ثم أدرك أن هناك من يدس رأسه في دلو ماء الغسيل المليء.. حاول أن يشهق.. أن يمتنع عن التنفس.. أن يسعل.. لا جدوى.. كل المحاولات التنفسية فشلت.. وبعد قليل همدت حركته..
وعندما خرجت زوزانكا إلى الرجال رسموا علامات الصليب وأدركوا أنهم يرون الشيطان ذاته..
لشد ما تبدلت الحسناء! ولشد ما صارت مريعة! ولشد ما صارت قوية!
لقد كانوا يتطايرون كأحجار الشطرنج، وعرف فكتورس ألكسنيس أن هذا هو مصاص الدماء الذي يبحثون عنه. لوح أحد الرجال بصليب خشبي في وجهها، لكنها مدت يدها إلى صدره فانتزعت قلبه بمخالبها.. السذّج الذين يصدقون القصص عن مصاصي الدماء كارهي الثوم والماء النقي والضوء والصلبان. من يقل هذا لم ير مصاص دماء فعلا..
- إليّ يا رجال!
لكنها كانت أسرع منهم.. وكان الرجل يهوي عليها بالبلطة أو العصا فتقتنص يده كأنها صقر ينقض على أرنب، ثم تهشمها قبل أن تغرس البلطة في جمجمته..
ولا يعرف فكتورس ألكسنيس كيف فر إلى الباب بينما النار تتصاعد من عدة غرف في البيت، ومن خلفه هرع من بقي من رجاله وهم يولولون ويصرخون..
عملية حرق الساحرات متعثرة ولم تكن كما أرادوا..
*****
وقفت زوزانكا تلهث..
لقد تم التحول بسرعة.. كانت تعرف أنها ستتحول.. لعله الغضب أو الخوف هما سبب هذا التحول السريع. الليلة الأولى عندما اجتازت الغابة عائدة من عند ليلى إزرجاليس، وعندما انقض عليها تافيلوف، وعندما عض عنقها، عرفت بعدها أنها لن تخاف الظلام أبدا وأنها ستلحق به..
أخبرها في الظلام بالسر.. أخبرها بأنها ستجد البيت المقصود.. هناك علامات تدلها على هذا البيت. أسرة لا تزور ولا تُزار، ولم يرهم أحد في الكنيسة، ولديهم الكثير من الأسرار. أسرة تحوم حولها علامات استفهام بصدد كونها أسرة من مصاصي الدماء.. هذا كلام فارغ.. هذه العلامات تدلك فقط على أن بيتهم مقام فوق فجوة..
سوف يمهد لها القدر الطريق.. سوف تجد تلك الأسرة وهذا البيت..
في تلك الليلة لم تسأل نفسها عن سبب وجود جاتيس في الغابة لأنها كانت تعرف.. لم تسأل نفسها عن الكيفية التي رأى بها في الظلام الدامس ولا كيف سمع صرختها لأنها كانت تعرف.. لم تسأل نفسها عن القوة الكاسحة التي قهر بها شابين ضخمين لأنها كانت تعرف..
كل هذه علامات على أنها في الطريق الصحيح..
يجب أن تدخل هذا البيت.. وعرفت أنها ستتزوج جاتيس لأن هذا قدرها.. سوف يحبها.. ربما تحبه كذلك..
والآن هي تحمل جاتيس الذي فقد وعيه.. تحمله كأنه طفل رضيع وتتقدم نحو القبو..
تمشي فوق الدماء والجثث وآثار المعركة وتشم رائحة الحريق..
تُرى هل بقي شخص آخر حيا من آل بولوديس؟ لا وقت لتعرف.
تهبط به إلى القبو وتمشي وسط أشلاء الحيوانات الممزقة.. ثم تفتح الباب السري وتهبط إلى الدرج..
إلى العالم الغريب حيث التوابيت المتراصة المفتوحة.. حيث تتحدى كل قواعد الفيزياء، ويسقط السائل إلى أعلى وتبدو الأشياء البعيدة عنك أقرب من سواها.. هنا يمكنك أن ترى الأنين وتسمع الدم وتشم الضوء وتتذوق الألوان..
هذا هو المكان المختار..
المكان الذي كُلّفت بأن تجده..
والأسرة لم تدرِ قط أن هذا المكان العجيب يقع تحت قبو دارها. أو ربما عرفت لكن حسبته يقود إلى كهف لا مبرر لاستكشافه..
هذا هو المكان المختار.. هناك فتحات أخرى تحت بيوت أخرى عديدة. كلها تقود إلى هنا، وفي هذا المكان تبدأ مملكة مصاصي الدماء. كائنات الليل الكابوسية..
بدأ جاتيس يفتح عينيه ويئن..
نظرت له في رفق.. لا تنكر أنها أحبته ومالت له كثيرا. برغم أن لقاءهما لم يكن سوى طريقة لدخولها هذا البيت. سوف يكون عليه أن ينضم إلى هذا العالم ويعيش بطريقتهم.. البديل هو أن يصير وجبة لضيوف هذا الحفل..
زوزانكا صاحبة العينين العميقتين..
زوزانكا ذات القدمين الدقيقتين..
زوزوانكا تقف هناك في الضوء الخافت تراقب التوابيت المفتوحة.. تسمع صوت الخطوات القادمة من بعيد عبر أرجاء الكهف.. الفجر قادم وهم عائدون..
سوف تراهم الآن..
****
تمت

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
 
زوزانكـــا .. بقلم د. أحمد خالد توفيق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي بستان المعارف :: المنتدي العام :: الادبـــــــــى :: اقرأ أونلاين :: د. أحمد خالد توفيق-
انتقل الى: