منتدي بستان المعارف

منتدي بستان المعارف منتدي يشتمل علي شتي صنوف العلم والأدب والمعرفة ...
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
مدير المنتدي
 
د. عروة
 
amna alamin
 
Mussab
 
آلاء
 
shahir
 
ياسر almak
 
gidro87
 
Dr.S
 
بشير الطيب
 
Google Search
زوار المنتدى

.: عدد زوار المنتدى :.


شاطر | 
 

 الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..   الإثنين أبريل 15, 2013 9:13 pm

(1) :
فريشت.. فريشت.. فريشت..
الصوت يحطم الأعصاب. يمكنك أن تجن بلا مبالغة. هناك تلك النغمة المكتومة، وهناك ذلك الإحساس القوي بالتربة الرطبة.. قليلة هي الأصوات التي تنقل لك رائحة العفونة، لكنها الحقيقة..
فريشت.. فريشت.. فريشت..
كلب ينبح من بعيد وهو مولع بأن يطيل نغمة النباح لتتحول إلى عواء طويل موحش. أما عن ذلك الصوت فأنا لم أسمع صوت البومة إلا في السينما.. ربما كانت بومة.. لو لم تكن فهي كارثة..
على ضوء الكشاف يعمل اللحَّاد في فتح القبر. لا تراه إلا بصعوبة، لكنك تعرف مهمته المشئومة.. بينما يقف هشام وصلاح خارج القبر متوجسين يتلفتان في ذعر.. أخوان.. يمكنك أن تدرك هذا من الملامح المتشابهة..
هذه ملامح أكلة لحوم بشر أو مصاصي دماء.. لا شك في هذا.. الوجه الأسمر والنظرات الزائغة والخدان الغائران.. الحقيقة هما ليسا مصاصي دماء بالمعنى الحقيقي بل بالمعنى المجازي.
هشام يمسك بلفافة تبغ متوترا وينفث كميات دخان لا يمكن وصفها.. السبب هو أنه يريد أن ينسى الرائحة الكريهة الخانقة. صلاح لا يدخن، لذا لف أنفه بمنديل وحاول ألا ينظر..
فريشت.. فريشت.. فريشت..
الهواء يدخل إلى العمة التي توفيت منذ أسبوع.. طبقة الأسمنت ما زالت هشة بليلة من الداخل. الرائحة قاتلة.. وفكرة أن تفتح العمة عينيها القاسيتين لتقول لهما:
- مش عيب كده يا ولد منك له؟
لن يعيشا بعدها. سوف يسقطان ميتين.. هذا أكيد.
لكن اللحَّاد بالداخل، وهو يعرف ما يفعله.. مع اللحَّاد أنت مطمئن. الطمأنينة الرتيبة للاحتراف.. هذا أقوى من أي شبح أو مسخ. هناك على الأرض بعض من لا يخافون الموتى.. من يؤمنون أن هذا القبر لا يحوي إلا بروتينا متحللا وكبريتا وكربونا وهيدروجينا..
سحابة دخان أخرى..
أخيرا تظهر الساقان النحيلتان للحَّاد وهو يخرج.. بالطبع يمارس عمله بالكلسون الداخلي، وعندما يخرج تدرك أنه رجل نحيل ضامر..
- سيجارة !
ناوله هشام سيجارة بيد راجفة وأشعلها له. جفف اللحَّاد عرقه وسحب نفسا عميقا ثم قال:
- هذه هي..
في يده كان الصندوق الصغير.. الصندوق الذي يذكرك بعلبة شاي مبطنة بالقطيفة. بالطبع صارت لهذا الصندوق أهمية سيكولوجية ثقيلة بعد ما ظل في كفن الفقيدة أسبوعا كاملا. لقد اتسخ بتابوت الموت لو كنت تفهم ما أعنيه..
كانا يعرفان أن الصندوق يحوي سرا مهما.. ويعرفان أن العجوز ظلت تحتفظ به حتى آخر لحظة في حياتها، ويعرفان أنها طلبت أن يدفن معها فلا يراه أحد سواها..
كان الصندوق مفعما بالاحتمالات.. صندوق بهذا الحجم لا يمكن أن يضم مالا.. على الأرجح يضم حجرا نفيسا أو قطعة حلي لا تقدر بثمن. إن أسرة الفقيدة نفذت الوصية حرفيا.. العمة لديها أغبى مجموعة من الأولاد يمكنك أن تجدها في حظيرة.. لم يخطر ببال أحدهم أن يفتح الصندوق أو يلقي نظرة. نفذوا وصية أمهم حرفيا وخاطوا الكفن على السر..
حسن.. هناك أشخاص لا يقبلون الأمور كمسَلّمات. هذه هي العجينة التي جاء منها المستكشفون القساة الذين ذبحوا شعوب أمريكا الجنوبية، ولم يكن هشام وصلاح يحبان عمتهما البتة، كما أنهما كانا من الطراز.. لن أقول الطراز المفلس.. بل هما من الطراز الذي تتجاوز طموحاته وشهواته دخله. هكذا وجدا أنهما يرغبان فعلا في معرفة محتويات ذلك الصندوق..
لن يؤذي هذا العمة العزيزة.. الشاه لن يضيرها سلخها بعد ذبحها، والقصة كلها رمزية على كل حال.. تغيير وصية ميت أمر ذو قيمة معنوية أخلاقية لا أكثر.
وعندما أخذا الصندوق كانا يشعران باحتقار بالغ نحو اللحَّاد برغم كل شيء.. كل اللحَّادين لصوص قبور بطبعهم، وهم مستعدون لبيعك لمن يطحن عظامك ليجعلها سمادا أو لطلبة الطب أو لمن يطعمك للخنازير.. لكن يظل السؤال قائما: هل فتح اللحَّاد الصندوق؟ هل أخذ شيئا ما؟
احتمال قائم خطر.. لكن كيف يثبتان العكس؟.. خطر لهما على كل حال أن الوقت ضيق.. لم يجد اللحَّاد فرصة ليسرق ما في الصندوق.
وأخيرًا نقدا اللحَّاد ماله، واتجها بالصندوق المريع نحو البيت..
**********
لدى الأخوين شقة مفروشة يقيمان فيها بعيدا عن باقي الأسرة، وبما أن مزاجهما واحد فقد كانا يتبادلان ساعات استخدام الشقة.. الليلة هما بحاجة لأن يكونا معا..
عالج هشام الصندوق.. كان هناك مسمار محوي صغير يغلقه فرفعه، وألقى نظرة للداخل. رائحة العمة العطرية الخفيفة تملأ داخل الصندوق فعلا.
أخرج وريقة صغيرة مطوية من داخل الصندوق.. ثم بدت على وجهه خيبة الأمل.. لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.. فتح الصندوق بقوة، ثم استلّ سكينا فراح يمزق أستار الصندوق.. بعد لحظات تحول الصندوق إلى نفايات.. لا يوجد شيء..
همس صلاح وهو يرتجف:
- افتح الورقة
بيد واحدة فتح هشام الورقة الصغيرة، وقرأ بصوت عال:
- هذا شعر.. بيتا شعر يقولان:
ولما توارى شعاع الأصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا..
دعتْ لي بسلوى وصبر جميل..
إذا ما الوصال غدا مستحيلا..
قال صلاح في خيبة أمل:
- ما هذا الكلام الفارغ؟
قال هشام محاولا الفهم:
- صبرا.. هذه قصيدة.. هناك شفرة كالعادة.. شفرة كلمات معينة تقود لمكان كنز.. أنا متأكد من هذا, لا أحد يصر على دفن هذا الهراء معه في القبر ما لم يكن..
ثم راح يحرك شفتيه محاولا الفهم:
- ربما هناك شارع اسمه الأصيل. ربما هناك غابة دفن فيها المال.. من هي سلوى؟
نهض صلاح غاضبا:
- القصة بسيطة.. المرأة قد جنت.. هذا كل شيء..
ثم تقلص وجهه وهتف في توحش:
- أو اللحَّاد قد خدعنا..
- هذا وارد
وتبادلا نظرة وحشية.. لم يكن عنده وقت كاف للسرقة..
أم كان عنده؟
الأمر ليس صعبا.. في ظلام القبر يجد الصندوق.. يزيح المسمار. يجد جوهرة أو حلية.. يدسها في جيبه. يخرج مغبرا لاهثًا إلى الأبلهين في الخارج..
ما يعرفه صلاح هو أنه تناول سكينا بينما تناول هشام خنجرا، وانطلق الاثنان لا يلويان على شيء نحو المقبرة.
يجب أن يتكلم اللحَّاد وإلا فالذنب ذنبه..
*****

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..   الإثنين أبريل 15, 2013 9:16 pm

(2) :
عندما يخرج الجنون من القمقم، فلا شيء يقدر على إعادته..
لأسباب ما يخرج هذا الغاز من الأنبوب، ثم يتسرب في كل مكان. لا أحد يقدر على جمع الغاز أو حبسه..
هكذا كان اللحاد جالسا في تلك الغرفة الصغيرة عند مدخل المقبرة.
كان جالسا أمام بابور الجاز -موقد البريموس حتى لا يتضايق اللغويون- وقد وضع فوقه إناء صغيرا به ماء ولحم وبصلة.. وكان يرمق النار متلمظًا.. الليلة سيكون العشاء دسما. صحيح أنها لقمة جاءت من نبش القبور.. أي أن ما يطبخه هو مجازيا لحم موتى، لكنه كان قد تجاوز مرحلة هذه الاعتبارات الأخلاقية.
سمع طرقات على الباب الخشبي المتداعي. فنهض ليفتح.
في اللحظة التالية كان الأخوان في الغرفة، وقد استطاع أن يرى الشيطان في عينيهما.. الشيطان.. هذا مشهد رآه من قبل ويعرفه..
- خيرا؟ لماذا عدتما؟
قال هشام لاهثًا:
- الصندوق خاو.. لا يوجد شيء..
- هذا شأنكما.. ليست مشكلتي
هنا قال صلاح وهو يمسك بالرجل من فتحة الجلباب ويجذبه:
- نحن نعتقد أن شيئا كان في الصندوق وقد تمت سرقته..
صاح الرجل أنه لم يفعل.. عندما تكون ضيق العينين خبيث النظرات نحيلا كفأر، فإن إنكار التهمة هو بالضبط الأسلوب المناسب لجعلك تبدو كاذبا..
راح الرجل يقسم.. أنتما حصلتما على الصندوق.. أنا نلت الحلوان.. انتهى الأمر.. ماذا تريدان بعد هذا؟
- نريد الشيء الذي في الصندوق.
- لم يكن هناك شيء في الصندوق.
كان الغضب قد بلغ الذروة.. وكل محاولة إنكار تؤكد لهما أنه سرق شيئا.. هكذا ازداد الضغط على ذراعه.. يمكنك سماع العظم الهش وهو يوشك على التحطم..
- تكلم!
السباب ينهال على رأس الرجل، والصفعات.. شابان قويان غاضبان مع رجل هش وحيد. في النهاية سقط على الحصيرة الموضوعة على الأرضية فراحا يوجهان الركلات لرأسه.. لم يعد هناك تعقل.. ركلة... ركلة.. ركلة... سوف يمر وقت طويل قبل أن يدركا أنهما أحمقان وأن فرصة استجوابه انتهت..
توقفا ونظرا إلى المشهد..
- لقد مات يا صلاح!
كان المشهد مؤكدا ولا يحتاج إلى تخطيط مخ وتخطيط قلب للرجل الراقد على الأرض. وفي لهفة راح الشابان يفتشان في الغرفة. عن ماذا؟ لا يعرفان.. عن الشيء الذي جعلهما يقتلان لأول مرة. الآن برز احتمال معقول هو أن الرجل صادق.. لقد تسرعا جدا..
لم يتفقا على الخطوة التالية، لكنهما وجداها بديهية.. كل شيء في هذه الغرفة يحمل بصماتهما.. لذا أطفأ هشام البابور -موقد البريموس حتى لا يتضايق اللغويون- وفتح الصمام ثم راح ينثر السائل قوي الرائحة في كل مكان. للأسف لن يأكل أحد هذا اللحم الذي نضج.. لكن دعنا نتذكر أنه معنويا أقرب للحم الموتى. على باب الغرفة ألقى هشام بالثقاب المشتعل، وفرا بعيدا قبل أن يتعالى اللهب..
سوف يحترق كل شيء..
على الأرجح لن يتعب الطبيب الشرعي نفسه في البحث، ولن يجد آثار التهشيم في عظام الجمجمة.. لسنا في قصة لأجاثا كريستي هنا..
فلنفر..
*******
كانا يرتجفان.. وشعر هشام بأن القتلة أشخاص فوق الواقع. كيف تمارس حياتك بشكل طبيعي بعد الفتك بإنسان؟
هناك في الشقة دخل كل منهما الحمام ليغتسل، ممارسا مشاعر ماكبث بعد قتل دونكان (لو اجتمعت بحار العالم جميعا على محو هذا الدم ما استطاعت).
في النهاية جلس هشام يدخن وينظر إلى الصندوق المربع الصغير. مشئوم.. نحس.. مد يده وعالج المسمار المحوي.. استطاع أن يفتحه ويخرج الوريقة الغامضة التي حيرته من قبل، فراح يتأملها:
ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
دعت لي بسلوى وصبر جميل
إذا ما الوصال غدا مستحيلا
وتسمع في الليل همس القبور
وأنفاس من غاب عودا نحيلا
ما معنى هذه الأبيات السخيفة؟
قرأها بصوت عالٍ على مسمع صلاح، وكان الأخوان يمقتان الشعر طبعا ولا يفهمانه لهذا لم يحصلا إلا على فكرة عامة عن معنى هذه الأبيات..
جلب صلاح زجاجتي خمر، وصب في كأسين كبيرين.. منذ زمن عرف الأخوان أنهما لا يتصنعان أي شيء أمام بعضهما. لهذا فعلا كل الموبقات أمام بعضهما دون خشية..
بعد الكأس الرابعة قال صلاح بلسان معوج:
- أنا قد أكون وغدا منحلا.. لكني لست قاتلا.. هذا أقوى مني
قل هشام بلسان أكثر اعوجاجا:
- يجب أن تنسى هذه الجريمة.. تنساها وتنسى أنك نسيتها.. لم يبقَ منها سوى غرفة محترقة ورماد
- ربما احترقت لكنها ستظل حية في ذاكرتي.. سوف يطاردني المشهد ما حييت.
ثم نهض مترنحا نحو الباب وهو يستند إلى الجدار..
- إلى أين العزم؟
قال صلاح:
- لا أستطيع قضاء الليل هنا.. لا أستطيع أن أراك أمامي.. سوف أبحث عن مكان آخر
- ليس من الحكمة أن تخرج وأنت ثمل.. من الوارد أن ينزلق لسانك.
قال صلاح وهو يعالج المزلاج بيد راجفة:
- هذا ما أنويه فعلا... سوف ينزلق لساني..
- هل تمزح؟
- ربما كان في هذا خلاصي
وواصل معالجة المزلاج..
الخمر لها إرادة خاصة بها.. تدهشك دوما بما تفعله وأنت لا تعرف أنها فعلته. لا يعرف هشام كيف طارت الزجاجة من يده لتضرب أخاه في مؤخرة رأسه..
عندما سقط صلاح على الأرض تذكر هشام الألعاب الغليظة الخشنة التي كان يمارسها في طفولته مع أخيه.. كان يمزح.. هذه ألعاب أطفال خشنة نوعا لكنها ألعاب.. هو لم يقتله.. بالتأكيد لم يفعل.. فقط أراد منعه من التمادي..
صلاح يرقد الآن خلف الباب والدم ينزف من مؤخرة رأسه والزجاج المهشم تناثر على الأرض..
إنه نائم.. بالتأكيد هو نائم.. لا توقظوه..
ضحك هشام كثيرا وهو يراقب أخاه النائم.. لعب أطفال ظريف..
عاد للمقعد وأشعل لفافة تبغ أخرى.. الدخان يرسم اسم هشام واسم صلاح في فراغ الغرفة..
صندوق لعين قذر.. لقد جعل الأخوين يتشاجران.. صب لنفسه كأسا أخرى..
مد يده إلى الصندوق وراح يعبث بأنامله.. لقد عبثت بهما العمة اللعينة.. لم تترك شيئا لكنها تركت لهما دعابة قاسية فعلا..
أخرج الوريقة المقيتة التي كتبت فيها الأبيات..
ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
دعت لي بسلوى وصبر جميل
إذا ما الوصال غدا مستحيلا
وتسمع في الليل همس القبور
وأنفاس من غاب عودا نحيلا
وقابيل يلقى أخاه الحبيب
فتجري الدماء ويهوى قتيلا
حك رأسه مرتين.. أغمض عينيه وراح يحاول أن يجعل بصره أقوى.. وربما بصيرته..
هذه الأبيات اللعينة.. كانا بيتين فقط.. هو متأكد من هذا.. لا شك في هذا..
هذه القصيدة تستطيل! إنها تزداد بيتا كلما هلك إنسان آخر!
*****

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..   الإثنين أبريل 15, 2013 9:19 pm

(3) :
هناك في تلك الكهوف المظلمة في صحراء تسيلي، يمكنك أن ترى أن الليل قد دنا، ومعه بدأت الشمس الحارقة تبدي شيئا من الرحمة..
الذئاب تعوي فيرتجف رجال "التبو" الجالسون حول النيران ليلا، ويتبادلون النظرات من وراء ألثمتهم.. بينما تطلق الجمال والإبل رغاءها وحنينها بالترتيب..
هناك في تلك الكهوف المظلمة وخلف منطقة الرمال المتحركة، حيث لا يجسر أحد على الدنو، يمكنك أن ترى ذلك الكهف الذي احتشدت الصخور على مدخله.. هل صخور حقا؟ بل هي جماجم بيضاء نظّفتها العواصف والرمال الناعمة..
هناك عاصفة دانية بلا شك في الغد..
داخل الكهف يمكنك بصعوبة بالغة أن ترى ذلك المشعل الواهن، وجواره يجلس كيان فارع مفزع يخيل لك أنه هيكل عظمي، يمسك بريشة هائلة الحجم ويضع أمامه لفافة.. عينان واهنتان تراقبان الورق وسط الضوء الخافت..
إنه "أوبار" الشاعر الملعون.. الشاعر الذي نشرت أشعاره الطاعون وسببت المذابح، وأدت إلى انتحار عشاق وموت أطفال وهم يصرخون..
هناك في هذا الكهف ينتظر "أوبار" عدة عقود.. عدة قرون.. من أجل قصيدة جديدة، قصيدة مكتملة الأبيات.
غير أن قصائده كانت ذات خاصية غريبة، هي أنها تكتب نفسها بنفسها؛ يبدأ أول بيت فقط، وأفعال البشر هي التي تكملها.
كل قصيدة صنعها الطمع والجشع والمقت والحسد والكفر والشهوات.
"أوبار" ينتظر، منذ قرون..
هناك قصائد بكل اللغات تتناثر من حوله.. قصائد باللاتينية، بالآرامية، بالسويدية، بالإنجليزية، بالمسمارية، بالأترورية، قصائد اكتملت جميعا وعادت له، وعندما يحرق اللفافة فإنها تصل إلى سيده الدائم، سيده الذي لا يجرؤ على ذكر اسمه..
على اللفافة التي أمامه بدأ يقرأ الحروف التالية تكتب بالدم:
ولما توارى شعاع الأصيل..
فتجري الدماء ويهوى قتيلا..
تحركت شفتاه فيما يشبه ابتسامة قاسية؛ سوف ينتظر.
*******
الصندوق الصغير ظل على الأرض فترة طويلة..
يمكن أن ألخّص الموقف لك بأن رجال الإسعاف ألقوا بالجثة على المحفة في إهمال، ومن الواضح أنها كانت تقبض على الصندوق الصغير الذي لم يلحظه أحد، قبل دخول السيارة سقط الصندوق على الأرض وركلته الأقدام جوار جدار.
وضعوا في السيارة جثة هشام أولا ثم جثة صلاح..
صلاح قد هشّمت زجاجة رأسه من الخلف، أما عن هشام فقد فتح النافذة ووثب إلى الشارع ليتهشم جسده على الإفريز، برغم هذا يبدو أنه ظل ممسكا بالصندوق فلم يتخلَ عنه إلا لحظة دخول السيارة كما قلنا..
انطلقت السيارة وعواؤها الكئيب يمزق الأعصاب قبل أن يمزق الصمت. ولحق بها عدد من الصبية يتصايحون مرحا..
يمكنك أن ترى الصبي عماد والصبي مصطفى.. إنهما يسكنان بالمنطقة، وهما شيطانان صغيران، لهما بالضبط نفس ملامح ونفسية قراصنة الكاريبي. عندما أسرعت الإسعاف مبتعدة أدركا أن اللحاق بها مستحيل، برغم أنهما كانا يشتهيان رؤية الميت، تعثّر عماد على الأرض فسقط جوار الصندوق الصغير، التقطه ودسّه في جيبه ليفهم فيما بعد..
هناك يقف الصبية في ركن الشارع يتبادلون التحدي والسباب. عماد يدخن لفافة تبغ إذ تأكد من أن أحدا من الكبار لا يراه، وهذا يعطيه سطوة لا شك فيها على باقي الصبية الذين لا يجسرون على تخيّل مغامرة كهذه.
يقول لهم عماد:
- وعهد الله.. وعهد الله..
لسبب ما لا بد أن يقسم هؤلاء الصبية بعهد الله.. لا يستعملون طريقة قسَم أخرى..
- وعهد الله أنا فعلت هذا..
قال مصطفى في تحدٍ:
- إنت كذاب..
- وإنت ابن "...".
وانقض الصبيان بعضهما على بعض يتبادلان الركلات واللكمات.. حاول عماد أن يفعل هذا كله ولفافة التبغ في فمه، لكن الأمر كان صعبا.. وقبل أن يفهم ما يحدث وجد أذنه في يد قاسية ترفعه عن الأرض.. وعندما نظر بحذر رأى أن هذه هالة أخته.. أخته في العشرين من عمرها، وليس لديها عمل في الحياة سوى أن تجعل أيامه قاسية..
- سجائر وشجار! انتظر حتى أخبر أباك بذلك.
تراجع الصبية في ذعر، بينما الأخت الغاضبة كآلهة الأوليمب تجر الصبي من أذنه نحو ساحة الإعدام، وهي لا تكف عن الشتائم وتوجيه الصفعات له.. كان يعرف أن أمره انتهى.. التدخين جريمة لا تغتفر في بيته..
برغم هذا كان يكره أن يراه الصبية في وضع مخزٍ، لذا صاح آمرا بينما هو يبتعد:
- الليلة سوف أريكم إن كنت كاذبا.
في البيت لم يكن الأب القاسي الغضوب موجودا، فتوعدته هالة بأن عقابه قريب فعلا. لاحظت الصندوق الصغير الذي في يده فسألته عن كنهه.. قال إنه وجده في الشارع ولا يعرف ما به..
مدت يدها في حذر وفتحت الصندوق.. ذات مرة ألقى أحدهم عملا سحريا على بابهم، وكان بداخله قطعة قطن التفت على أشياء عضوية مرعبة، مع لفافة ورقية كهذه.. شعرت بقشعريرة وخطر لها أن تتخلص من الصندوق، ثم مدت يدها تفتح اللفافة وقد غلبها الفضول..
ولما توارى شعاع الأصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا..
وقابيل يلقى أخاه الحبيب..
فتجري الدماء ويهوى قتيلا..
لقد حان حينك يا ابن الدياجي..
ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟
مطت شفتها في عدم فهم؛ كانت تتوقع على كل حال أن تقرأ تعاويذ وكلمات سريانية غامضة، أو ترى رسوما غير مفهومة. لكن هذا شعر.. مجرد شعر سخيف، ليس فيه حب ولا غرام ولا سهاد.. هناك كلمة "عجولا" في نهاية القصيدة تبدو نابية للأذن، بالتأكيد ليست عجول الجزار، ولكنها تدل على التعجل..
توعدت أخاها المدخن بالويل، ثم اتجهت إلى الهاتف لتثرثر مع صاحبتها..
لاحظ عماد بعد ساعتين أن جريمته لم تذكر؛ لم تقل هي شيئا ولم يعرف أبوه القاسي بشيء، إنه في غرفته يلهو ويتظاهر بالاستذكار كالعادة، لكن لا شيء غير هذا..
الصبية ينتظرونه كما وعدهم. إن هالة اللعينة غافية الآن بعد ما شبعت نميمة وتهريجا على الهاتف؛ لن يلاحظ أحد أنه خرج..
بعد لحظات اتخذ قراره، اتجه إلى باب الشقة بحذر وفتحه وفرّ إلى الخارج. هناك في الشارع عنصره الطبيعي، هناك يصير حرا، يصير ملكا، يصير قائد الشلة الذي يبهر الأنفاس..
هناك كان الصبية يقفون في تحدٍ بانتظاره، وكان أكثرهم تحديا هو مصطفى.. قال له في سخرية:
-هل علّقك أبوك من السقف؟
لم يرد.. سرعان ما اجتاز الفرجة بين الجدارين وراح يركض عبر الخرابة. كان الليل قد بدأ يزحف فلم يعد هناك سوى لون أزرق بكل درجاته، وهناك كانت المساحة الواسعة ممتدة حيث قضبان القطارات تتلوى وتتعاقد في الأفق.. قطار الثامنة سوف يمر بعد قليل..
بلع الصبية ريقهم وهم يرتجفون من هول المشهد القادم، هو نفسه كان خائفا لكنه كان بحاجة إلى أن يعرفوا من هو؛ بعد هذا لن يفتح أي أحمق فيهم فمه..
جرى بحذر إلى أن بلغ المسافة بين القضيبين، ورقد على وجهه وغطى رأسه بكفيه..
فلتمر اللحظات التالية بسرعة..
*******

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..   الأحد أبريل 28, 2013 5:48 pm

(4) :
أين عماد؟
كانت الساعة الآن الحادية عشرة ليلا، وقد أوشك الأب على غلق أقفال البيت.. ثم تنبه الجميع إلى أن الصبي عماد ليس هنا، وهذا شيء معتاد.. لكنه لا يطيل التأخر إلى هذا الحد لأنه عوقب كثيرا من قبل على تأخره خارج البيت.. الحقيقة أنه شبيه بقط حبيس لا يقر في البيت أبدا.
عماد.. عماد.. أين أنت أيها الوغد؟
هكذا بدأت عملية البحث. وتم سؤال الجيران، ثم ارتدى الأب ثيابه من جديد وخرج يبحث عن الصبي وهو يطلق السباب.. من الخير للفتى أن يكون قد مات فعلا.. هذا هو المبرر الوحيد الذي يسمح بالغفران له.. فيما عدا هذا ليس من مصلحته أن يظل حيا.. سوف يموت فورا!
جو التوتر العام ساد البيت، وبدأت الأم تقرأ القرآن وتهرع من حين لآخر إلى الشرفة..
هالة شعرت بتأنيب ضمير.. ربما هو خائف جدا من موضوع السيجارة.. ربما خائف لدرجة أنه فر من البيت.. هي كانت قد أزمعت أن تكتفي بإرهابه.. لكن من أين له أن يعرف باقي نيتها؟
يجب أن نقول كذلك إن الجو كان ملوثا بالموت.. حادثة الموت التي وقعت صباحا جعلت الجميع متوترين.
هكذا دخلت غرفتها وحاولت أن تفكر في شيء آخر، لكن صورة عماد كانت تبلبل ذهنها..
مدت يدها للصندوق لتعيد تفحّص تلك اللفافة اللعينة.. وبشفتين تتحركان قرأت الأبيات:
ولما توارى شعاع الأصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا..
لقد حان حينك يا ابن الدياجي..
ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟
خرجتَ لتلهو قرب الردى..
فجاء الردى غاضبا مستحيلا..
هنا توقفت وراجعت آخر أبيات..
هناك جزء لم تقرأه من قبل.. هي متأكدة أن آخر بيت في القصيدة اللعينة كان البيت "لقد حان حينك يا ابن الدياجي.. ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟"، فماذا حدث بالضبط ومتى؟ هناك بيت قد أضيف.. لا شك في هذا.. نفس الخط ونفس الحبر..
كانت هالة قوية الشخصية تثق في حواسها جيدا.. أي شخص سواها كان سيعتقد أن البيت الأخير قد فاته، لكنها كانت متيقنة.. القصيدة اللعينة قد استطالت بيتا..
البيت يتكلم عن شخص أراد اللهو قرب الردى فمات.. كان الردى أكثر براعة.
*******
في الصباح وجدوا البقايا وعرفوا القصة كاملة..
الصبية الذين كانوا مع عماد رأوا المشهد ففروا لبيوتهم وأصابهم ذعر حيواني يمكن فهمه، وقرروا أن يلوذوا بالصمت.. لكنهم تكلموا في النهاية..
عماد نام على قضيب القطار -بين القضيبين إذا شئت الدقة- ودفن رأسه بين ذراعيه بينما قطار الثامنة قادم، وكان ينوي أن يبهر الصبية بشجاعته.. هؤلاء المراهقون يمكن أن يفعلوا أي شيء كي يبهروا أترابهم. ما حدث هو أن شيئا يتدلى من القطار تمسك به.. تعلق بسرواله.. وهكذا فوجئ الصبية بأن زعيمهم قد اختفى. لم تمر العجلات من حوله في سلام، ويبدو أن جسده تفتت في ثانية واحدة..
كانت ميتة شنيعة، وسوف أعفيك من وصف ما فعلته الأسرة والأم رحمة بأعصابك.. لقد حلت حقبة من اللون الأسود والكآبة على هذا البيت الذي كان آمنا..
ظلت هالة تشعر بعدم راحة نحو ذلك الصندوق اللعين، وتلك الأبيات الغريبة التي قرأتها والتي ازدادت بيتا بلا تفسير واضح..
ذات ليلة جلست في فراشها ومدت يدها تفتح ذلك الصندوق من جديد.. تحسست أبيات القصيدة وقرأتها مرة واثنتين.. وقررت أن تعرض هذه الأبيات على مدرس اللغة العربية الشاب جارهم، لعل الكلمات تخفي أكثر مما تفهمه هي. ثم غلبها النعاس والعلبة في يدها..
هي الآن نائمة على ظهرها. صدرها يعلو ويهبط كأنها تعاني عسرا في التنفس. العرق.. العرق يجعل شعرها عجينة واحدة لزجة.. كهف مظلم.. مشاعل.. هناك من ينتظر في الكهف.. عينان شريرتان.. رائحة عطن غريبة.. هذه رحلة لم يقم بها بشري إلى عالم لم يره أحد. أعماق الظلمات.. المادة الخام للشر.. تشعر بهذا كله.. وتدرك أنها مذعورة، لكنها كذلك عاجزة عن النهوض.. عاجزة عن الفرار.
وسمعت صوتا يأمرها:
- تخلصي من القصيدة! تخلصي من القصيدة إن شئتِ السلامة!
كانت تسمع الصوت بوضوح، تعرف أن هذا "أوبار". لا شك في هذا برغم أنها لا تعرف من هو "أوبار" ولم تسمع عنه من قبل. كانت ترتجف خوفا.. عرفت أنها اختُرقت وأنها ترى ما لا يحق لها أن تراه..
*******
كان البيت كله غافيا عندما اتجهت هالة إلى المطبخ.. صوت أذان الفجر يتردد من مسجد قريب. وضعت الصندوق على الموقد، ثم أشعلت عود ثقاب؛ سوف يحترق هذا الشيء القذر.. سواء كان خطرا حقيقيا أو وهما.. إنها تشعر بأنه ملوث بالدم.. لماذا ظهر بعد الحادث الأخير؟ ولماذا التقطه المرحوم عماد بالذات؟
بدأت النار تتمسك بالصندوق وتنهدت هي الصعداء. لكنها بعد لحظة بدأت ترتجف.. إن النار تلتف حوله لكنها لا تؤذيه. هذا الشيء أقوى من النار..
جرّبت أن تحرقه عدة مرات وبللته بالكيروسين وجربت من جديد.. لا جدوى.. هذا الصندوق اللعين أقوى من أن يزول بسهولة.
فكرت في أن تلقيه في القمامة، لكن الإجابة كانت قد وصلتها وشعرت بها في أعماقها بلا جدال. هذا ما يريده ذلك المسخ الذي رأته في الحلم بالضبط.. هناك أحمق سيجد الصندوق في القمامة ويفتحه، وسوف ينتقل الصندوق ليد أخرى ويموت شخص آخر.. وسوف تزداد القصيدة طولا..
لو احتفظت بالصندوق فهي تجازف بميت آخر، أو جريمة قتل أخرى..
ربما يُقتل أبوها أمها، أو العكس، أو تفعل هي هذا كله..
حاملة هذه الهواجس عادت إلى غرفة نومها التي تسلل لها ضياء الفجر الخافت الواهن.. جلست على الفراش كأنها بوذا يتأمل.. وقررت أن تنتظر حتى يصحو الجميع..
*******
من المهم أن نجد من يحبنا.. لسبب واحد هو أننا نحتاج أحيانا إلى من يصدقنا.. وكان هاني يحبها فعلا.. مدرس اللغة العربية الشاب الذي يقطن قرب بابها يهيم بها حبا.. لقد تبادلا الحديث الصريح كثيرا وكانت تعرف أنه ينتظر.. يستجمع شجاعته قبل أن يكلم أباها.
جلسا في ذلك المقهى الذي اعتادا الجلوس فيه، فرشفت بعض الشاي من الكوب.. ثم استجمعت شجاعتها وحكت له تلك القصة الطويلة..
بالطبع لم يبدُ مصدقا، لكنه يحبها وعلى استعداد لسماع الكثير من هرائها.. ربما اعتبر هذا ترفا..
لما انتهت من قصتها دفنت وجهها في الكوب حتى لا يسخر منها.
قال لها:
- وأين هذا الصندوق؟
نظرت حولها ثم وضعته على الشرشف أمامه. مد يده ليفتحه لكنها أوقفت يده في صرامة:
- لا أعرف.. ربما تصيب اللعنة من يفتح الصندوق أو يقرأ القصيدة.
- أنا سآخذ الصندوق الآن!
قالت في جزع وقد اتسعت عيناها:
- أنت لا تفهم. هذا هو ما يريده بالضبط.. يريد أن يجد مسارا جديدا للحياة..
- لنقل إنني لن أمنحه هذه الفرصة.
ثم مد يده يعبث وأخرج القصيدة.. قرأها مرة ومرتين ثم قال باسما:
- ليس شعرا جيدا جدا.. لو كان هذا الشعر يكتب نفسه فهي طريقة غير ناجحة لكتابة الشعر.. ثم أن بعض الأبيات مكسورة..
ثم التمعت عيناه وقال في حماسة:
- أنا أكتب الشعر كما تعرفين.. سأكمل هذه القصيدة بنفسي!

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..   الأحد أبريل 28, 2013 5:52 pm

(الأخيرة) :
عندما جلس هاني وحيدا في غرفته، اندهش للتطور الذي يعتري عواطف المرء. عندما عاد للدار كان ساخرا ناقدا لا يكف عن التهكم على سخف الفتيات.. كانت الأمور تبدو له واضحة جدا..
كانت الأسرة كلها نائمة الآن.. شخير أخيه الأصغر يتعالى في فراشه الصغير بركن الغرفة.. ذلك الفراش الذي صنعوه له من صندوق قديم وضعوا عليه حشية.. الأبوان نائمان، والفتاة نائمة في غرفتها.. هذا جو من الوحدة يوحي بأي شيء. يتضخم الخيال مع الوقت ويصير المستحيل ممكنا..
فلنر هذا الصندوق الصغير إذن..
أبخرة الشاي تتصاعد وهو يقلب الصندوق في يده، ثم فتحه بحذر وأخرج اللفافة وراح يقرأ القصيدة..
ولما توارى شعاع الأصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا..
دعت لي بسلوى وصبر جميل..
إذا ما الوصال غدا مستحيلا..
وتسمع في الليل همس القبور..
وأنفاس من غاب عودا نحيلا..
وقابيل يلقى أخاه الحبيب..
فتجري الدماء ويهوى قتيلا..
لقد حان حينك يا ابن الدياجي..
ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟
خرجت لتلهو قرب الردى..
فجاء الردى غاضبا مستحيلا..
لا يمكن أن تتهم الشاعر بأنه عبقري، وبالتأكيد لم يكتبها المتنبي، لكن هناك جوا من الغموض المشئوم يحيط بهذه الأبيات.. شيء سام.. لا شك في هذا.. ستة أبيات..
الخط خط رقعة جميل جدا وأنيق.. مد يده يبحث عن ريشة الكتابة التي كان يستعملها في مدرسة الخطوط وأخرج قنينة الحبر الشيني الصغيرة..
بحذر.. وبنفس الخط الجميل تقريبا كتب في نهاية القصيدة:
وعدت هنالك وقت الغروب..
فألفيتها في انتظاري طويلا..
وعاد الوصال يزور القلوب..
وعاد الربيع ينير السهولا..
تمت بحمد الله
ونظر في رضا إلى البيتين الأخيرين.. نهاية سعيدة إجبارية.. لقد انتهى هذا الكابوس إذن..
وهنا انقطع التيار الكهربائي..
******
العمة كانت تعرف أفضل في أيامها الأخيرة..
عندما تقدم بها العمر وأدركت ان الرحيل على الأبواب، قررت أن تفتح هذا الصندوق الذي وجدته في حاجيات أمها.. أمها كانت تقول كلاما غريبا عن عثورها عليه في المقابر يوما ما، كانت أمها لا تقرأ ولا تكتب لذا لم تعرف قط ما في الصندوق حتى ماتت.. الآن وقد صار الحاجز الفاصل بين العالمين واهيا جدا أو افتراضيا خطر لها أن تلقي نظرة..
طلبت من ابنتها وصال أن تجلبه لها، ثم جلست في الفراش تضيق عينها في ضوء المصباح الشاحب.
فتحت الصندوق وبعينين واهنتين قرأت المكتوب في اللفافة.. ولم تفهم شيئا:
ولما توارى شعاع الأصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا..
بيت شعر واحد.. ما معنى هذا ولماذا يدفنه أحد في صندوق؟ لم تدر السبب.. لكنها طلبت من ابنتها أن تحتفظ به في خزانة الثياب في الرف العلوي.. حيث تحتفظ بالبطاطين..
راحت تتأمل عود وصال الرشيق وهي تشب على الفراش لتضع الشيء في خزانة الثياب، وخطر لها أن وصالا هي أروع شيء حققته في حياتها.. عروس فاتنة مكتملة وطالبة جامعية.. أفضل أولادها بلا جدال..
عندما نامت أخيرا لم تكن تعرف أنها المرة الأخيرة..
يقول رجال الشرطة إن الفتاة ارتكبت خطأ فادحا. لقد عجزت عن النوم فشربت جرعة من دواء الكلورال المنوم.. لما عجزت عن النوم برغم هذا أخذت قرصا منوّما من أدوية الوالدة.. كلورال مع الكحول أو المنوم.. كثيرون تلقوا درسهم الأول في علم الفارماكولوجيا وهم يدخلون القبر..
ماتت وصال بطريقة عبثية عجيبة.. مخزون هائل من الحزن صار لدى العمة كي تقزقزه كاللب وحدها في كل ليلة.. وطالت أيام الحزن وهي تدعو الله أن يرحمها وتموت..
ما حدث بعد هذا هو أنها طلبت من أحد أولادها أن يجلب لها ذلك الصندوق اللعين.. عندما فتحته بيد واهنة ألقت نظرة على القصيدة.. فوجدت الأبيات تقول:
ولما توارى شعاع الأصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا..
دعت لي بسلوى وصبر جميل..
إذا ما الوصال غدا مستحيلا..
ارتجفت ذعرا.. هذا البيت الأخير لم يكن موجودا بالقطع قبل ذلك..
وماذا يقول؟ يقول: "إذا ما الوصال غدا مستحيلا".. بالفعل صار الوصال مستحيلا؛ لم تعد هناك وصال..
امتلأت تشاؤما من هذه القصيدة، وتذكرت أنها فقدت ابنتها الفاتنة يوم فتحت الصندوق. هذا الصندوق ملعون بلا شك.. هذا الصندوق مسحور..
وهكذا قضت أيامها الأخيرة في محاولة الخلاص من هذا الصندوق.. جربت طرق التدمير كلها، وفي النهاية أدركت أن الصندوق والقصيدة أقوى من الجميع.. وعرفت أن عليها أن تدفن هذا الصندوق معها.. فقط في كفنها وتحت الأرض لن يجده أحد.
هكذا أوصت.. ولم تدر أن هذه الوصية بالذات هي ما سيدفع وغدين من الأسرة، هما هشام وصلاح إلى نبش قبرها.. لقد كان الإغراء أقوى منهما..
******
بعد ساعتين عاد التيار الكهربي فأطفأ هاني الشموع التي أشعلها في الصالة.. لم يشعر أحد من النائمين بالانقطاع، أما هو فقد كاد يفرغ أحشاءه ذعرا. تذكر أسطورة لعنة الفراعنة وكيف انقطع التيار الكهربي عن القاهرة لحظة فتح تابوت توت عنخ آمون..
قرر أن يعود ليلقي نظرة على القصيدة التي كتبها منذ قليل..
هنا وجد الأبيات التالية في نهاية القصيدة:
تراك ستصمد حتى الصباح؟
تراك ستصبر صبرا جميلا؟
هنا شعر بشعر رأسه ينتصب.. هذا بيت لم يكتبه.. هذا بيت كتب نفسه في الظلام.. القصيدة مصرّة على أن تستطيل.. لم تقنع بالبيتين الأخيرين..
وفي هذه اللحظة شعر بتلك الرغبة المجنونة.. هرع إلى المطبخ وانتقى أكبر سكين هناك.. عاد لغرفة النوم.. وقف يراقب في نهم أخاه النائم.. يرمق شريان عنقه النابض.. الدم الدافئ ينتظر بالداخل.. دم أحمر قانٍ..
ثم فطن لنفسه فتراجع مذعورا..
هناك الأبوان النائمان في غرفة النوم.. لن يشعرا بالرحيل.. سوف يكون موتا رحيما..
وماذا عن الكيروسين؟ هناك موقد بريموس به كيروسين.. لو سكب منه في أرجاء الشقة وأشعل عود ثقاب فلسوف ينتهي كل شيء..
ثم فطن لنفسه من جديد.. قرأ المعوذتين.. إنه واقع تحت تأثير نفسي كاسح..
يمكن أن ينهي هذا بأن يثب من النافذة.. أن يقتل نفسه.. سيكون هذا أفضل الحلول الممكنة من دون أن يؤذي أحدا سواه..
ثم عاد يتيقظ من جديد.. هذا هراء.. إنه يهذي..
الشيء في الصندوق وضعه في مأزق يفضّل معه الانتحار على أن يذبح أحبابه.. لكن لماذا يختار بين الاثنين؟
تراك ستصمد حتى الصباح؟
تراك ستصبر صبرا جميلا؟
لا.. لن يستطيع الصمود.. لو مرت ساعة أخرى سيكون قد ذبح كل أحبائه.. أو قتل نفسه.
جلب زجاجة الحبر الشيني ووقف عند حوض المطبخ وسكب كل قطرة فيها على القصيدة، حتى تشوهت تماما وصارت عسيرة القراءة.. وضعها في العلبة، ثم غادر البيت..
بالتأكيد سمعوا صوت الباب وهو ينغلق.. بالتأكيد أصابهم الذعر وتساءلوا أين هو.. لا يهم..
راح يركض في الشارع الخالي..
راح يركض عبر تلك الأرض الخالية المظلمة.. أرض لم يتم بناؤها بعد، وإن كانت بعض الأساسات قد وضعت فيها..
وجد عمودا من خرسانة فركع جواره في الظلام، وراح ينبش وينبش..
فريشت.. فريشت.. فريشت..
الصوت يحطم الأعصاب. يمكنك أن تجن بلا مبالغة. هناك تلك النغمة المكتومة، وهناك ذلك الإحساس القوي بالتربة الرطبة..
وضع الصندوق الصغير في الحفرة..ثم راح يهيل فوقه التراب..
عندها رأى ذلك الشخص قادما من بعيد.. الظلام دامس لكنه يراه في ضوء النجوم.. توقف قلبه للحظة من الذعر، ثم نهض وانطلق يجري بلا توقف..
أنت تعرف أنه سيجن ويقتل نفسه في الأيام القادمة.. لن يفهم أحد سبب هذا الضغط العصبي الشنيع الذي آذاه كثيرا.. لكن هذا ليس موضوعنا طبعا..
******
أنا وجدت القصيدة..
يمكنني الآن أن أقدم لك هذا الاعتراف الصغير. كنت عائدا من دار صديق لي في هذه الساعة المتأخرة، وشعرت بنداء غريب يدفعني إلى عبور هذه الأرض الوعرة الخالية من المباني.. كنت أشعر بذعر لكني تمالكت نفسي.
رأيت هاني يدفن شيئا ويفر كالمذعور.. مشيت إلى حيث دفن ما بيده.. وأخرجت ذلك الصندوق الصغير..
وعندما فتحت الصندوق شعرت بأنني أعرف القصة كلها.. أعرف الفتى عمادا وهالة وهاني والوغدين صلاح وهشام..
القصيدة قد تلوثت بالحبر الشيني كلها لكني أعرف كل حرف فيها..
سوف تكتمل القصيدة.. ربما تبلغ ألف بيت..
ويوما ما سوف يكملها أحد رجال التبو في منطقة تسيلي -ممن يجيدون العربية- ويضيع في الصحراء وسط العواصف الرملية.. وسوف يموت، لكن القصيدة سوف تصل كاملة إلى "أوبار"..
الآن أنا أملك الصندوق والشيء في الصندوق.. القصيدة.. وأملك أن أنقلها لك.. وأعرف أنها ستكتمل. لهذا كتبت هذه القصة، وبالتالي صارت القصيدة لدى كل من قرأ القصة..
تسعة أبيات في هذه القصة، أحدنا سوف يكتشف غدا أنها عشرة أبيات.. والقصة تزداد طولا وتنتقل من يد إلى يد..
"أوبار".. قد قمت بواجبي.. فهل أنت مسرور؟

تمت

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
 
الشيء في الصندوق .. بقلم د. أحمد خالد توفيق ..
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي بستان المعارف :: المنتدي العام :: الادبـــــــــى :: اقرأ أونلاين :: د. أحمد خالد توفيق-
انتقل الى: