منتدي بستان المعارف

منتدي بستان المعارف منتدي يشتمل علي شتي صنوف العلم والأدب والمعرفة ...
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
مدير المنتدي
 
د. عروة
 
amna alamin
 
Mussab
 
آلاء
 
shahir
 
ياسر almak
 
gidro87
 
Dr.S
 
بشير الطيب
 
Google Search
زوار المنتدى

.: عدد زوار المنتدى :.


شاطر | 
 

  صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 2:47 am


(1) الجندي.
(أخيراً، وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها، في (أوروبا) على الأقل، بعد اندحار (المانيا) النازية، وانهيار الرايخ الثالث، وانتحار (أدولف هتلر)…
وكما تنقض الذئاب الجائعة على فريسة، طالت مطاردتها لها، برزت أنياب الحلفاء وهم ينهشون (المانيا) الجريحة، وراحوا يقسمونها فيما بينهم، باعتبارها غنيمة حرب، وفقاً لاتفاق مسبق، منح نصفها للسوفييت، والنصف الآخر لباقي الحلفاء (أميركا) و(انجلترا) و(فرنسا)…
والتقى الفريقان في منتصف( برلين) وبجرة قلم، انقسمت المدينة الألمانية العريقة، التي شهدت صعود وانهيار الرايخ الثالث، إلى قسمين، اختلفا فيما بينهما تمام الاختلاف، فأحدهما غربي الاسم والطابع، والآخر سوفييتي شرقي، يرتفع فوقه العلم الأحمر...
ومنذ تلك اللحظة، وقبل أن تحسم (أميركا) حربها مع (اليابان) بقنبلتيها الذريتين الشهيرتين، بدأت حرب جديدة أكثر شراسة، بين الكتلتين اللتين أفرزتهما الحرب، بسنواتها الست البغيضة، مع ما تغير من أمور كبيرة، في عالمنا وتاريخنا المعاصر.
ولقد تمثلت تلك الحرب، أول ما تمثلت، في سباق الفوز بالخبراء...
فعلى الرغم من العداء المستحكم الطويل، بين الجانبين والقيادة النازية، كان الأميركيون والسوفييت معاً يدركون جيداً، أن (المانيا) تمتلك جيشاً آخر، يفوق جيشها العسكري المقاتل الف مرة.
جيش من العلماء، والمفكرين، والمخترعين، والمبتكرين، ثم وهذا هو الأكثر أهمية وخطورة فريق نادر للغاية، في عالم الجاسوسية والمخابرات.
وكان السباق العنيف، الذي بدأت به الحرب بين الاميركيين والسوفييت، هو ذلك اشتعل، فور سقوط (المانيا)، للفوز بأكبر عدد ممكن من هذه الخبرات.
وبالذات الفوز برجال المخابرات الألمانية السابقين...
ولا أحد يمكنه أن يدعي ان احد الفريقين قد ربح هذه المعركة باكتساح...
فلقد انتهت الحرب بالتعادل، لو صح القول...
وانقسم رجال المخابرات النازية بين الفريقين، تماماً مثلما حدث مع العلماء، والمخترعين، وغيرهم...
وفي لهفة عجيبة، ونهم بلا حدود، راح كل فريق ينهل ممن فاز بهم إلى أقصى حد ممكن.
والحق يقال، إن العقول الالمانية كانت مدهشة ومتفوقة وخبيرة بحق، فقد أدى وجودهم إلى حدوث تطويرات ضخمة، في الجانب السوفييتي، وبالذات في مجال الحرب النفسية وحرب المخابرات.
وعلى الجانب الأميركي كان لهؤلاء الخبراء فائدة أضخم، إذ انهم كانوا النواة الأولى لتكوين جهاز المخابرات المركزية الأميركية، الذي نال فيما بعد شهرة عالمية واسعة، باعتباره أفضل وأقوى جهاز مخابرات في العالم.
وبعد استخدام (أميركا) لقنبلتيها الذريتين، اتسعت عيون العالم كله، في ذهول مذعور، والكل لا يصدق أنه هناك سلاحاً يمكنه ان يحدث هذا القدر الهائل من التدمير والخراب والقتل.
وانتفخت أوداج (أميركا) زهواً وغطرسة...
وانعقدت حواجب السوفييت غضباً وسخطاً...
واشتعلت الحرب الصامتة بين الفريقين أكثر وأكثر، وحملت إعلامياً اسم الحرب الباردة، وأصبح الشغل الشاغل لكل فريق هو تنمية قدراته العسكرية، وجمع أكبر قدر من المعلومات عن الفريق الآخر، في الوقت ذاته.
ثم بدأت على الجانبين عملية اصطياد الهاربين والمختفين، من ضباط وجنرلات الجيش النازي لمحاكمتهم كمجرمي حرب، والاستفادة مما لديهم من معلومات، لو أنهم كانوا يحتلون مناصب مهمة، خلال فترة الحرب.
وفي الوقت نفسه، الذي يتم فيه إعمار (برلين)، كان النازيون السابقون يتساقطون كالذباب، وتملأ أخبار سقوطهم الصحف الغربية والشرقية على حد سواء.
فيما عدا واحد، لم تذكر الصحف حرفاً واحداً عنه...
(رودلف ميلر)...
و(رودلف) هذا لم يكن جنرالاً من جنرالات الجيش النازي، أو واحداً من ضباطه الكبار، وإنما كان مجرد جندي...
جندي إشارة...
و(رودلف) لم يسقط في قبضة المخابرات الأميركية بخطة محكمة، وإنما فر اليها، من (برلين) الشرقية، وألقى نفسه في قبضتها، فراراً من القبضة الحديدية الدموية للحكم السوفييتي الرهيب.
ولأنه وقع في قبضة شرطة الحدود، على الجانب الغربي، وتولاه رعب هائل، من امكانية اعادته إلى السوفييت، وما يستتبعه هذا من استجوابات وتحقيقات، وتعذيب، وموت بشع في النهاية، فقد راح ذهنه الملتهب يبحث عن أية وسيلة للفرار من مصيره الأسود، ثم وجد نفسه يهتف فجأة:
- كنت جنديا للاشارة في الجيش النازي.
لم يبال رجال شرطة الحدود لحظة واحدة بعبارته هذه، وواصلوا عملهم، لملء كل الاستمارات والأوراق، اللازمة لإعادته إلى الجانب الشرقي، أو تقديمه للمحاكمة في الجانب الغربي.
وامتقع وجه (رودلف) المسكين، وراح جسده النحيل يرتجف في ارتياع، بعد أن تجاهل الكل تصريحه، الذي تصور انه كفيل بتفجير الموقف كله...
وفي محاولة يائسة أخيرة، أضاف:
- إنني أعرف أين أخفوا ملفات الشفرة السرية.
لم يكد ينطقها، حتى خيل إليه أن قنبلة قد انفجرت بغتة في المكان...
قنبلة من الصمت...
ففجأة، ومع آخر حروف عبارته، هوى على المكان كله صمت رهيب، واستدارت إليه العيون كلها في دهشة، سرعان ما تحولت إلى شيء من الاستنكار وعدم التصديق، قبل أن يغمغم أحد رجال الشرطة:
- أعتقد أن هذا يستلزم إبلاغ جهة عليا.
لم تمض ساعة واحدة، على قوله هذا، حتى وصلت إلى المكان سيارة سوداء كبيرة، هبط منها رجل طويل القامة، متين البنيان، اسود الشعر، ازرق العينين، وخلفه رجلان قويان، بدا من هيئتهما، وأسلوب سيرهما خلفه، انهما تابعان أو حارسان خاصان.
وبتظرة صارمة، تطلع اليه ذلك الرجل، قبل أن ينخرط في الحديث بعض الوقت، مع رجال شرطة الحدود بصوت لم يسمعه (رودلف) الذي راح عقله يطرح الف والف سؤال، حول هوية ذلك القادم وهدفه.
ثم ادار الرجل عينيه الزرقاوين اليه مرة أخرى، واتجه نحوه مباشرة، ووقف على بعد خطوات قليلة منه، يتطلع اليه في صمت، قبل أن يقول بغتة، بلغة المانية سليمة:
- ماذا كان عملك في الجيش النازي؟
ازدرد (رودلف) لعابه في صعوبة، ليتمتم:
- جندي اتصال وإشارة.
سأله الرجل، بلهجة صارمة جافة:
- أين؟!
أجابه (رودلف) بسرعة هذه المرة:
- في مقر قيادة (الجستابو).
هذا الجواب وحده أشعل الدنيا بحق، فما أن سمعه الرجل، حتى اعتدل بحركة حادة، والتقى حاجباه في شدة، وهو يتطلع إلى (رودلف) بنظرة طويلة قاسية، قبل أن يشير إلى حارسيه، قائلاً بلهجة آمرة صارمة:
- سنصطحبه معنا.
لم يدر (رودلف) ماذا حدث بالضبط، ولكنه شعر بذراعين قويتين تقبضان عليه، وتنتزعانه في مقعده، وتدفعانه نحو السيارة السوداء الكبيرة، وسمع ذا العينين الزرقاوين من خلفه، يقول لرجال شرطة الحدود في صرامة:
- كل ما يتعلق بأمره يتم محوه من السجلات فوراً... إنكم لم تروه أبداً... هذا أمر يتعلق بالأمن القومي.
وسقط قلب الألماني الشاب بين قدميه، عندما سمع العبارة، وعندما انحشر بين الحارسين الضخمين في المقعد الخلفي، ورئيسهما يجلس إلى جوار السائق، لتنطلق بهم السيارة على الفور.
وتضاعف ذعره وخوفه، عندما أحاط أحد الحارسين عينيه بعصابة سوداء، وهمس في أذنه بخشونة:
- لا تفتح فمك بكلمة واحدة.
وطوال ما يقرب من نصف الساعة، انطلقت السيارة في قلب (برلين) الغربية، ثم توقفت، وجذبه الحارسان خارجها في شيء من القسوة، ودفعاه أمامهما لعدة أمتار، قبل أن يرفع أحدهما العصابة عن عينيه.
وللوهلة الأولى، اغلق (رودلف) عينيه في قوة، مع الضوء الساطع في المكان، ثم لم يلبث أن فتحهما في حذر، ولكنهما اتسعتا بغتة عن آخرهما، على الرغم منه..
فما رآه أمامه كان مدهشاً...
وبكل المقاييس.).

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 2:53 am

(2) أخطر الملفات...
(لدقيقة كاملة، لم يصدق (رودلف ميلر)، جندي الإشارة السابق في الجيش النازي، ما يراه أمامه، في تلك القاعة الواسعة، التي تم نقله إليها معصوب العينين. فعلى الرغم من أن الحرب قد انتهت فعلياً، منذ ما يزيد عن العامين، الا ان القاعة، التي يقف فيها، كانت نسخة طبق الأصل، من قاعة الاتصالات، التي عمل فيها لثلاثة أعوام كاملة، في قبو مقر (الجستابو) الرئيس في (برلين). ولدقيقة أخرى، راح الشاب يدير عينيه في المكان، بكل ما يعتمل في أعماقه من انفعال، قبل ان يسأله ازرق العينين، في هدوء مشوب بالصرامة:
- أين كنت تعمل؟!
أشار (رودلف) إلى منضدة في الركن، استقر عليها جهاز اتصال الماني قديم، وهو يغمغم في عصبية:
- هنا.
تبادل الرجال في الحجرة نظرة صامتة، قبل أن يلتقط أحدهم ملفاً كبيراً، قلب اوراقه في سرعة، قبل أن يقول في صرامة:
- (رودلف هانز ميلر)... مواليد يناير 1921م، مزارع من ضواحي (هامبورج)...
واصل الرجل تلاوته للبيانات الدقيقة، المسجلة في الملف، عن (رودلف) وحياته كلها، وتفاصيل عمله في قاعة الاتصالات، في مقر (الجستابو)، والشاب يحدق فيه بكل ذهول وانبهار، قبل أن ينهي الرجل حديثه، دون خطأ واحد، ثم ياتفت إلى أزرق العينين، قائلاً:
- مجرد جندي اتصالات عادي.
مط ازرق العينين شفتيه، وألقى نظرة على (رودلف) قائلاً:
- فقط؟!... كنت أظنه أكثر أهمية.
لم يدرك الألماني الشاب، في تلك اللحظة، ان كل ما يحدث من حوله، كان أحد أساليب الحرب النفسية، التي ابتكرها الألمان، إبان الحرب العالمية الثانية، والذي علمه خبراؤهم للأميركيين، منذ أعوام قليلة، وأن الهدف منه هو إبهاره، وكسر مقاومته، ودفعه إلى الاعتقاد بأن كل ما قاله، وما يمكن أن يقوله، مسجل بالفعل، في تلك الملفات التي استعرضها الأميركي الآخر امامه... لم يدرك هذا، وهو يقول بحلق جاف، وصوت مرتجف:
- لست جندياً عادياً، فما أعرفه مهم وخطير، ولا يعرفه سواي.
وبصعوبة بالغة، ازدرد لعابه، عبر حلقه الجاف، قبل أن يضيف بصوت خشن مبحوح:
- ممن بقوا على قيد الحياة.
تبادل الرجال نظرة صامتة، قبل أن يسأله أزرق العينين، في هدوء شديد الحذر، وهو يتفرس ملامحه جيداً:
- وما الذي تعرفه بالضبط؟!
ازدرد (رودلف) لعابه مرة أخرى، في صعوبة أكثر، وادار عينيه في وجوههم جميعاً، قبل ان يستجمع شجاعته، ويجيب:
- أعرف أين أخفوا ملفات الشفرة... كلها.
تبادل الرجال نظرة أخرى، قبل أن يسأله أزرق العينين، في شيء من الصرامة:
- ملفات شفرة الاتصالات الألمانية؟!
صمت (رودلف) بضع لحظات هذه المرة، قبل ان يجيب في اندفاع، وكأنما يخشى الا يحدث جوابه التأثير المطلوب:
- بل السوفييتية.
لم يكن الجواب يتجاوز شفيته، حتى خيل اليه ان قنبلة أخرى قد تفجرت، في القاعة كلها...
قنبلة من الدهشة واللهفة والاهتمام هذه المرة...
قنبلة ظهرت آثارها القوية في العينين الزرقاوين، اللتين التهبتا ببريق رهيب، يوحي بأن الأمور ستتطور حتما.
وبمنتهى العنف..
من المؤكد أن ما أدلى به جندي الجيش النازي السابق، كانت له أهمية كبرى، بالنسبة لجهاز المخابرات الأميركي الوليد، فما أن أبرق مسؤول مكتب (برلين) بالأمر إلى (واشنطن)، حتى تم عقد اجتماع عاجل، في المقر المؤقت للجهاز، حضره أول مدير رسمي له، حيث تم بحث الأمر كله، ومناقشته لأكثر من ست ساعات متصلة لتحديد مدى صدق الألماني، وخطورة ما أشار اليه...
فالقصة التي ذكرها كانت منطقية إلى حد كبير...
وتتوافق مع ما تم جمعه من معلومات سابقة بالفعل...
إنه يقول: إن (هملر) قائد (الجستابو)، قد جمع كل الملفات السرية، الخاصة يشفرة الاتصالات السوفييتية، والتي تم رصدها وتحليلها، وفك الغازها ونظمها المعقدة، خلال خمس سنوات كاملة، وقرر حرقها كلها، والتخلص منها نهائياً، قبل ان تسقط (برلين) في قبضة الحلفاء...
ولكن (المانيا) لم تكن قد انهزمت تماماً بعد...
والفوهلر كان بطبعه يرفض فكرة الهزيمة، ويصر على أنه ما زال هناك احتمال للنصر، من خلال سلاحه السري، الذي لم يكشف عنه قط...
لذا، فقد تقرر عدم حرق الملفات...
وكان البديل الوجيد أمام (هملر) هو اخفاء تلك الملفات الشفرية السوفييتية السرية الخطيرة، في مكان خفي، لا يمكن التوصل اليه قط...
ولأن عملاً كهذا يحتاج إلى سرية تامة، فقد انتقى (هتلر) اثنين من أفضل الضباط، وأكثرهم تفانياً وإخلاصاً، مع اثنين من جنود قسم الاتصالات والاشارة، ممن يحوزون منتهى الثقة، وحمل الكل صناديق الملفات، إلى مخبأ خاص، وسري...
سري للغاية...
ثم تطورت الحرب بسرعة، ولقي الضابطان والجندي الآخر حتفهم، في اقتحام مقر (الجستابو)، وانتحر القادة في مخبئهم السري...
ولم يتبق على قيد الحياة سوى (رودلف ميلر) وحده...
وأصبح الوحيد الذي يعرف أين يختفي ذلك الكنز الحربي الخطير...
والواقع أن الحلفاء، والسوفييت أيضاً، قد بذلوا جهداً خرافياً، فور سقوط (المانيا) النازية، للعثور على تلك الملفات، التي تحوي كل اسرار الشفرات السوفييتية، وكل النتائج التي استخلصها الخبراء الألمان، في دراستها وفحصها وتحليلها.
فعلى الرغم من أن الحرب قد وضعت اوزارها بالفعل، ومن أن الشفرة يتم تغييرها دورياً، وحتماً بعد نهايات الحروب، إلا أن ما فعله الألمان كان يكشف نمط التفكير التشفيري السوفييتي، واسلوبهم في التعامل مع الاتصالات السرية، وهو أمر يكفي لكشف معظم محاولاتهم المستقبلية، على نحو يعرضهم لخطر جسيم، في الحرب الباردة المقبلة...
والفريقان يدركان هذا جيداً...
ويسعيان للفوز بتلك الغنيمة، منذ سقوط (المانيا)...
الاميركيون لكشف اسرار نظم الاتصالات والتشفير السوفييتية... والسوفييت للحفاط على أسرارهم، ومنع خصومهم من الفوز بها... ولكن كل محاولات الفريقين لم تسفر عن اية نتائج، طوال الأعوام الماضية، على الرغم من الجهود المضنية، والاستجوابات العنيفة، وتعذيب وقتل العشرات من ضباط الجيش النازي السابقين، في غرف التحقيقات.
لذا فقد كان ما أعلنه (رودلف) مثيراً وهاماً إلى اقصى حد، مما دفع الأميركيين إلى احاطته بكل الرعاية والسرية، واستجوابه بقدر هائل من الحزم والصرامة...
والرفق أيضاً، ولكن الجندي النحيل رفض بإصرار الافصاح عن مخبأ الملفات السرية للشفرة السوفييتية، قبل أن يحصل على موافقة صريحة، ببقائه في (المانيا) الغربية، وعدم عودته نهائياً إلى (المانيا) الشرقية.
ولأن الأمر لا يحتمل المحاورة والمناورة طويلاً، فقد تحركت السلطات الأميركية بسرعة ودون ابطاء، ولم تمنح (رودلف ميلر) موافقة فحسب، وإنما منحته ايضاً جواز سفر رسمي، ينسبه إلى الجانب الغربي. وكانت فرحة الألماني الشاب عارمة، حتى أنه لم يكد يحصل على الجواز، حتى أبلغهم بموقع البناية، التي تم اخفاء الملفات السرية في خزانة سرية، مدفونة في قبورها...
ودون اضاعة لحظة واحدة، اسرع الكل إلى خريطة (المانيا) بحثاً عن تلك البناية، و...
وجاءت الصدمة عنيفة للغاية...
فالقبو الذي اخفيت فيه خزانة الملفات السرية، كان يكمن اسفل بناية حكومية المانية عريقة، ولكن...
في الجانب الآخر...
الجانب السوفييتي.

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 2:55 am

(3) الجانب الآخر.
( "والآن ماذا نفعل؟!"... ألقى مدير المخابرات الأميركية السؤال، وهو يتطلع إلى خريطة (المانيا)، التي حملت دائرة حمراء، تشير إلى موقع النيابة الحكومية، الذي أخفيت أسفله خزانة ملفات الشفرة السرية السوفيتية، قبل أن يتابع في اهتمام متوتر:
- الأمور بيننا وبين السوفيت متوترة للغاية، في هذه الأيام، وهم يراقبون كل تحركاتنا بمنتهى الدقة والتحفز، وعبور أي من رجالنا إلى الجانب الشرقي، أمر محفوف بكافة المخاطر، فما بالكم بالوصول إلى مبنى حكومي، واقتحام قبوه، وحفره، للحصول على الملفات من أعماقه؟
أشار مساعده الكولونيل (هارولد) بسبابته، قائلاً في حزم:
- هناك أيضاً مشكلة فتح الخزانة، التي يؤكد ذلك الجندي أنها من طراز حديث.
تنهد مدير المخابرات، قائلاً:
- هذا يزيد الأمر تعقيداً.
انبرى أحد رجال المخابرات، يقول في حزم:
- الأمر يحتاج إلى فريق خاص، يضم اثنين من رجالنا، وخبير خزائن، و...
قاطعه الكولونيل (هارولد) مستنكراً:
- أية فكرة حمقاء هذه؟!.. إرسال فريق كامل يكفي، ليس لجذب انتباه السوفيت فحسب، ولكن لإشعال الموقف كله، على نحو سنفقد فيه حتماً السيطرة على كل الأمور.
أدار مديرالمخابرات عينيه إليه بنظرة صارمة بسبب أسلوبه الفظ، فتنحنح مستطرداً:
- ثم ان المخابرات السوفيتية أكثر عراقة منا، ورجالها أكثر حنكة وخبرة، ولست أستبعد وجود جواسيس لهم في صفوفنا، وربما ملفات كاملة عنا أيضاً..
ثم لوح بيده في حدة، متابعاً:
- ولن أستبعد كونهم يعرفون رجالنا، ويحفظون وجوههم عن ظهر قلب..
هتف به مدير المخابرات في غضب:
- إنك تهون من شأننا، وتعلي من قدرهم يا (هارولد).
أجابه (هارولد) في حزم:
- في عملنا، هذا أفضل من التهوين من شأنهم، والإعلاء من قدرنا، نحن نزعم خوض حرب جواسيس في أرضهم.
انعقد حاجبا المدير في عصبية، في حين قال رجل المخابرات (ادجرتون)، في رصانة اشتهر بها بين أقرانه:
- أعتقد أن الكولونيل (هارولد) على حق يا سيدي، فنحن جهاز مخابرات وليد، وما زلنا ننهل من خبرات الألمان، الذين يضعون الدعامات الأساسية لنا، وفي عملية كهذه، ينبغي أن نتخذ كل الاحتياطات، على نحو لم يسبق له مثيل.
استدارت العيون كلها إليه، وسأله (هارولد) في اهتمام:
- ألديك اقتراح ما يا (ادجرتون)؟!
صمت (ادجرتون) بضع لحظات، وهو يفكر في عمق، قبل أن يقول في بطء:
- بل.. لدي مرشح للمهمة.. مرشح مناسب تماماً.
منحه الكل آذانهم واهتمامهم، وهو يحدثهم عن مرشحه..
ولكن المفاجأة كانت قوية وعنيفة..
إلى أقصى حد...

ارتسمت دهشة عارمة على وجه (ستيف جوست)، أشهر لص خزائن، في الولايات المتحدة الأميركية كلها، عندما التقى برجل المخابرات (ادجرتون)، في حجرة خاصة، في سجن (نيويورك)، وقدم له هذا الأخير نفسه، بصفته الفعلية فحدجه (ستيف) بنظرة حذرة، قبل أن يقول بضحكة عصبية:
- وما شأن المخابرات الأميركية بي؟!.. صحيح أنني هنا بتهمة سرقة خزانة البنك الفيدرالي، ولكن هذه مجرد جريمة سرقة، وليست خيانة عظمى.. أليس كذلك؟!..
ابتسم (ادجرتون)، وهو يقول:
- لقد راجعت ملفك كله يا (ستيف)، والواقع أن أسلوبك قد راق لي كثيراً.
ردد (ستيف)، في دهشة حذرة:
- راق لك؟!..
أومأ (ادجرتون) برأسه إيجاباً، وهو يقول في رصانة:
- بالتأكيد.. صحيح أنك لص خزائن خبير، ولكن من الواضح أنك تعشق المغامرة، وتميل إلى القيام بعمليات صعبة ومعقدة، بدليل أنك لم تحاول قط سرقة خزانة عادية، في شركة أو مصنع مثلاً، وإنما تميل دوماً إلى سرقة الخزائن المحكمة، في الأماكن المحاطة بسياج أمن خاص.
هز (ستيف) كتفيه، وتألقت عيناه، وهو يقول في حذر:
- الخزائن الكبيرة تحوي نقوداً أكثر.
ابتسم (ادجرتون)، وهو يقول:
- حقاً؟! أهذا هو السبب الوحيد؟!..
ارتسمت على شفتي (ستيف) ابتسامة، وكأنما يستعيد ذكرى ممتعة، وهز كتفيه، دون أن يجيب، فالتقط (ادجرتون) نفساً عميقاً، قبل أن يقول في هدوء رصين:
- ما رأيك في القيام بعملية جديدة؟!
رمقه (ستيف) بنظرة صامتة طويلة، قبل أن يقول في سخرية:
- هذا يستلزم الانتظار لثلاث سنوات أخرى، حتى تنتهي مدة العقوبة، و...
قبل أن يتم عبارته، التقط (ادجرتون) عدة أوراق من جيبه، ووضعها أمام عيني (ستيف)، الذي حدق فيها لحظة وهو يغمغم في حذر أكثر:
- ما هذا بالضبط؟!
أجابه (ادجرتون):
- قرار بالإفراج عنك فوراً، وآخر بالعفو عن كل جرائمك السابقة، وتنقية صحيفة سوابقك تماماً.
ثم أعاد الأوراق إلى جيبه، وابتسم لمرأى الدهشة والشك على وجه (ستيف)، قبل أن يتابع في حزم:
- باختصار.. إنها فرصة ذهبية، لمحو تاريخك القديم كله، والفوز بمستقبل نظيف، وحياة محترمة، وربما وظيفة يسيل لها اللعاب أيضاً.
تحولت دهشة (ستيف) كلها إلى مزيج من القلق والشك، وهو يتطلع إلى رجل المخابرات الأميركي طويلاً، قبل أن يسأله، بكل حذر الدنيا:
- مقابل ماذا؟!
شد (ادجرتون) قامته، وتطلع إلى وجهه مباشرة، وهو يجيب:
- خزانة من طراز الماني، نريدك أن تتسلل إلى موقعها، وتفتحها، وتحصل على كل محتوياتها، و...
صمت لحظة، وهو يواصل التطلع إلى وجهه، قبل أن يضيف في حزم:
- وتعود بها سالمة.
سأله (ستيف)، والحذر يحيط بكل حرف من كلماته:
- أعود بها إلى أين؟!.. أليست داخل (أميركا)؟!
هز (ادجرتون) رأسه نفياً، قبل أن يقول، وهو يراقب رد فعل (ستيف) بمنتهى الدقة والاهتمام:
- بل في (برلين).
ردد (ستيف) في دهشة حذرة:
- (برلين)؟!..
أجابه (ادجرتون) بكل الصرامة:
- نعم.. (برلين) الشرقية.
وفي هذه المرة، حدق (ستيف) في وجه (ادجرتون) طويلاً..
ولكن العجيب أن ملامحه لم تحمل ذرة واحدة من الانزعاج أو التوتر أو الخوف، بل على العكس تماماً، فقد تألقت عيناه على نحو عجيب، وأطلت منهما نظرة، أشبه بنظرة طفل، يستعد لقضاء يوم كامل، في أفخم مدينة للملاهي في العالم، وتراقصت على شفتيه ابتسامة مغامر، قبل أن يقول في حسم:
- أنا موافق...
وكانت البداية

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 2:57 am

(4) المحتال...
(لم تكن عملية تدريب (ستيف جوست)، أو السيطرة عليه، سهلة أبداً، فالشاب كان شديد الثقة والاعتداد بنفسه، وينظر إلى العملية برمتها باعتبارها عملية سرقة لمحتويات خزانة منيعة، وليس كمهمة لجهاز مخابرات وليد، يرغب في تأكيد وجوده، والفوز بغنيمة ضخمة، يبدأ بها معركته الكبرى، في الحرب الباردة، التي تستعر نيرانها في كل لحظة.. ولأن (ادجرتون) هو صاحب الفكرة، التي واجهت اعتراضات جمة، قبل أن يوافق عليها مدير المخابرات الأميركي الأول، مع عدة تحفظات أبداها الكولونيل (هارولد)، فقد كان من الطبيعي، وفقاً لقواعد العمل في المخابرات، أن يتولى هو أمر العملية، وأمر إعداد (ستيف) لها.. ومن حسن حظ (ادجرتون)، أنه يتميز بالرصانة والحكمة، وهدوء الأعصاب، والقدرة على ضبط النفس، ولولا هذا لانفجر في وجه (ستيف)، وألغى العملية كلها، منذ اليوم الأول.. فـ(ستيف) يرى أنه مؤهل تماماً للقيام بالعملية، ولا يحتاج إلى أية تدريبات إضافية، في حين كان من الضروري أن يتلقى عدة دروس وتدريبات، حول طبائع السوفيت، ونظم أمنهم، وكيفية التعامل معهم على أرضهم... ولقد استخدم (ادجرتون) أسلوباً خاصاً، يعتمد على كسب ثقة (ستيف) وصداقته، ليشرح له أهمية تلك التدريبات، للتعامل في مجتمع لم يعايشه من قبل، ولا يعلم شيئاً عن نظمه وأساليبه.. وكان أفضل حل لهذا، هو عرض بعض وسائل السوفيت عليه، وقسوتهم في التعامل مع كل من يشكون في أمره، ووحشيتهم في عقاب المجرمين والجواسيس، الذين يقعون في قبضتهم..
والواقع أن هذا قد أصاب (ستيف) بصدمة حقيقية، إلا أنه لم يرفض التخلي عن العملية، بل بدا وكأن المخاطر الجمة قد ضاعفت من حماسه، وأشعلت أكثر روح المغامرة في أعماقه.
والأهم أنها قد اقنعته بقبول الدراسات والمحاضرات والتدريبات، والمواظبة عليها في اهتمام وشغف.. بل نهم أيضاً..
ولقد قضى (ستيف) أكثر من ثلاثين ساعة مع (رودلف ميلر)، استمع خلالها إلى قصته عشر مرات، وطالبه بوصف الخزانة الألمانية عشرين مرة على الأقل، حتى يمكنه تحديد نوعها، وطرازها، وكيفية التعامل معها، عندما تحين لحظة المواجهة المنشودة..
وبعد شهر واحد تقريباً، من الدراسات والتدريبات المكثفة، قرر (ادجرتون) أن (ستيف جوست) قد استوعب الأمر كله، وأصبح مؤهلاً للقيام بالمهمة، والسفر إلى (برلين) الشرقية فوراً..
وكان هذا يحتاج إلى اجتماع جديد؛ لإصدار قرار بهذا..
وفي هذه المرة، اجتمع مدير المخابرات مع الكولونيل (هارولد)، و(ادجرتون) فحسب..
ومرة أخرى، أبدى (هارولد) تحفظاته، الخاصة بعدم ثقته في ردود أفعال (ستيف)، إذا ما حصل على الملفات السرية بالفعل؛ فهو يخشى أن يحاول هذا الأخير الاستيلاء عليها، أو بيعها لأي خصم، أو جهة منافسة، باعتباره مجرد لص، لا يمكن الوثوق به تماماً، ولكن (ادجرتون) أصر على أن الشاب لص، ولكنه ليس خائناً..
ولم تستغرق المناقشة حول هذه النقطة طويلاً، قبل أن يحسمها مدير المخابرات في صرامة، قائلاً:
- لقد كنا نعرف أنه لص، قبل أن نبدأ كل هذا، ولن نتراجع الآن، بعد كل ما فعلناه.
لم يرق هذا للكولونيل (هارولد)، إلا أنه أطاع رئيسه، وانتقل بالمناقشة إلى نقطة أخرى أكثر أهمية..
الصفة التي سيدخل بها (ستيف) (برلين) الشرقية، تحت سمع وبصر سلطات الأمن السوفيتية، المتحفزة دوماً، للانقضاض على كل من تحيط به الشبهات..
كان الاقتراح التقليدي هو أن يسافر كمراسل صحفي لجريدة محترمة، مثل (واشنطن بوست)، ولكن (ادجرتون) اعترض بأن السوفيت يراقبون المراسلين الصحفيين دوماً، باعتبارهم جواسيس من طراز يختلف، ولكنهم أيضاً يبحثون عن المعلومات..
ولقد طرح (هارولد) والمدير عدة بدائل، اعترض عليها (ادجرتون) أيضاً، بحسم وحزم وإصرار..
وعندما نضبت اقتراحاتهما، هتف الكولونيل (هارولد) في حنق:
- كيف تتصور دخوله إلى عرين الأسد إذن؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
التقى حاجبا (ادجرتون)، وبدت عليه علامات التفكير العميق، وهو يتراجع بمقعده، وينقل بصره بينهما بضع لحظات، قبل أن يعتدل فجأة، مجيباً في حزم:
- كسائح عادي.
حدق الإثنان في وجهه بدهشة، قبل أن يقول (هارولد) في عصبية:
- مستحيل!.. جرت العادة في عالم المخابرات، على أن..
قاطعه (ادجرتون)، دون أن ينتبه إلى فارق الرتب بينهما، وهو يقول:
- جرت العادة!!.. هذا بالضبط ما ينبغي أن نتجنبه، في هذه العملية بالذات.. لقد بدأناها على نحو غير تقليدي، ولن يضيرنا أن نواصلها على النمط ذاته.
تبادل المدير نظرة صامتة متوترة مع (هارولد)، قبل أن يقول في حذر:
- تذكر أنه ليس رجل مخابرات محترف.
أجابه (ادجرتون) في سرعة:
- ولكنه محتال محترف، ويجيد التعامل مع الآخرين، واقناعهم بسلامة طويته.
تساءل (هارولد) في صرامة:
- حتى السوفيت؟!
ابتسم (ادجرتون) في ثقة، وهو يجيب:
- حتى السوفيت.
تواصلت المناقشات لساعة أخرى، قبل أن يصدر القرار أخيراً ببدء العملية، التي أطلقت عليها المخابرات الأميركية اسم (عملية اللص)..
وتحت إشراف (ادجرتون)، سافر (ستيف جوست) إلى (برلين) الغربية، وهو يحمل جواز سفر، باسم رجل الأعمال الأميركي (جاك ستيوارت)، وبطاقة عضوية في جمعية رجال الأعمال الأميركيين في (المانيا) الغربية.
ومنذ وضع قدميه على أرض (المانيا)، بدأ (ستيف) يتصرف كمحترف حقيقي، وكمحتال من الطراز الأول أيضاً، فقد زار مقر جمعية رجال الأعمال، التي يحمل بطاقة عضويتها، وسجل اسمه كمستثمر جديد، ثم حمل سجله، صباح اليوم التالي، إلى الغرفة التجارية الألمانية، وبدأ يتحدث عن رغبته في صناعة إطارات نظارات، ذات تصميمات خاصة، وعدسات من أفضل الموجود..
وكإجراء طبيعي، قرر زيارة مصانع النظارات الشهيرة في (برلين)، ثم لم يلبث أن طلب زيارة مصانع (كارل زايس)، أشهر منتج عالمي للعدسات، ولكن مسؤول الغرفة التجارية الألمانية أخبره بكل الأسف أن تلك المصانع في (برلين) الشرقية، وليس الغربية..
وهنا، قرر السفر إلى (برلين) الشرقية، لمعاينة عدسات (كارل زايس)، والتعاقد مع الإدارة الجديدة للمصنع لإمداده بالعدسات المطلوبة لإطاراته المبتكرة الجديدة..
وعند الحدود، راجع السوفيت أوراقه في روتينية، وطالعوا جواز سفره باهتمام تقليدي، قبل أن يسمحوا له بدخول (برلين) الشرقية..
وعبر (ستيف) الحاجز الحديدي، كما أطلقوا عليه في تلك الأيام، وأصبح داخل (برلين) الشرقية بالفعل، ولم يعد متبقياً سوى الاتجاه إلى ذلك المبنى الحكومي، والتسلل إلى قبوه، وفتح الخزانة، والاستيلاء على وثائق وملفات الشفرة السوفيتية الخاصة.
وفي (برلين) الغربية، تلقى أزرق العينين تقريراً يفيد عبور (ستيف)، فأبرق بالأمر إلى (واشنطن)، التي استقبلته بارتياح، وبترقب لبدء العملية الفعلية... أما في (موسكو)، فقد كان الأمر يختلف تماماً... فقد كان الكولونيل (جياريف)، نائب رئيس الـ(كي.جي.بي)، للشؤون الغربية، يراجع بعض التقارير الهامة العاجلة، الواردة من بعض عملاء (واشنطن)، عندما دلف أحد ضباطه في احترام ولهفة يشفان عن أهمية وخطورة ما جاء من أجله:
- الجاسوس، الذي أبلغنا عميلنا في المخابرات الأمبركية بأمره، عبر إلى (برلين) الشرقية منذ دقائق.
التقى حاجبا الكولونيل (جياريف)، فدفع ضابطه أمامه مجموعة من الأوراق، مع برقية شفرية، وردت من (برلين) الشرقية منذ لحظات، وصورة... صورة واضحة، للجاسوس الذي تحدث عنه... صورة (جوست)...
(ستيف جوست).

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:00 am

(5) في عرين الأسد.
(لأن (ستيف جوست) لص محترف قبل أن يكون عميل مخابرات، فقد طبق، منذ اللحظة الأولى، كل قواعد عالم اللصوصية، الخاصة بالاستعداد لعملية سرقة جديدة... لقد قضى اليوم الأول والثاني في زيارة مصانع (كارل زايس)، كما يفعل رجل أعمال تقليدي، ولكنه، وفي كل مرة، كان يعود إلى فندقه عن طريق الشارع، الذي يضم تلك البناية الحكومية، ليرصدها ببصره جيداً، دون أن يتوقف عندها لحظة واحدة..
وفي (موسكو)، كان الكولونيل (جياريف)، رجل المخابرات السوفيتية العريق، يتابع كل تحركات (ستيف) عبر البرقيات التي يرسلها إليه مكتب (برلين) الشرقية، وهو يراجع، في الوقت ذاته، المعلومات التي أرسلها عنه ذلك العميل السري، الذي زرعوه في قلب المخابرات الأميركية منذ مولدها... ولقد رصد ذلك العميل واقعة فرار جندي الإشارة السابق (رودلف ميلر)، واهتمام المخابرات الأميركية بشأنه، منذ اللحظات الأولى، ولكنه لم يتوصل إلى تداعيات الموقف، إلا بعد أن بدأ (ستيف جوست) تدريباته بالفعل.
ومع نوعية التدريبات والمحاضرات، وعلى الرغم من حرص (ادجرتون) الشديد على السرية، فقد تمكن العميل من إدراك الهدف، من الاستعانة بـ(ستيف جوست)..
ثم فجأة، وقبيل سفر (ستيف) بيوم واحد، ومن خلال مصادفة بحتة، تشف عن ضعف إجراءات الأمن، في المخابرات الأميركية الوليدة، علم العميل أن مهمة (ستيف جوست)، هي الوصول إلى خزانة سرية، تحوي ذلك الكنز، الذي يبحث عنه المعسكران المتنازعان، منذ سقوط واندحار الرايخ الثالث..
ولم تكد تلك المعلومة تبلغ الجانب السوفيتي، حتى قامت الدنيا هناك ولم تقعد..
ونظراً لخطورة الأمر، تم إسناد العملية إلى واحد من أقدم وأهم وأخطر رجال المخابرات السوفيتية..
الكولونيل (يوران جياريف)..
ولقد طالع (جياريف) كل البرقيات، التي أرسلها عميلهم في المخابرات الأميركية، حول هذا الأمر..
كان كل ما يعلمونه هو أن المخابرات الأميركية تعلم أين تلك الخزانة، وأنهم قد جندوا لصاً سابقاً، وخبيراً في الخزائن، للوصول إليها..
ولكن عميلهم لم يتمكن من معرفة موقع تلك الخزانة السرية أبداً..
ولقد اقترح بعضهم، مع وصول صورة (ستيف)، أن يتم إلقاء القبض عليه عند الحدود، وتعذيبه بكل السبل الممكنة، حتى يعترف بما لديه..
ولكن (جياريف) لم يقتنع بهذا الرأي أبداً، وخاصة بعد أن درس ملف (ستيف جوست)، الذي أرسله عميلهم في المخابرات الأميركية، فور حصوله عليه..
فوفقاً لشخصية (ستيف)، والتحليلات النفسية التي حواها ملفه، كان من المستحيل انتزاع أية معلومات منه بالقوة؛ فهو من ذلك الطراز، الذي يفضل الموت ألف مرة، على الاستسلام لخصمه..
لذا فقد كانت لديه خطة أكثر واقعية..
أن يتم السماح للص الأميركي بدخول (برلين) الشرقية، دون أن يشعر لحظة بما يحاك له، على أن تتم مراقبته بدقة، حتى يبلغ هدفه..
وعندئذ، يتم الانقضاض عليه من كل جانب..
ولأنه لا يميل كثيراً لمغادرة (موسكو)، فقد أسند هذه المهمة لأفضل تلاميذه، وأكثرهم ذكاءً وخبرة..
(أليكس بريلمانوف)..
وقبل حتى أن يصل (ستيف) إلى (برلين) الشرقية، كان (أليكس) يطير بطائرة خاصة إلى هناك ليبدأ الصراع..
صراع الجواسيس..
أما (ستيف)، فقد انتظر في صبر، حتى يوم الأحد التالي، حيث تغرق (برلين) كلها في إجازة عامة، ثم حمل آلة التصوير الخاصة به، وارتدى زياً خفيفاً، كأي سائح بسيط، وخرج للتجول في (برلين) الشرقية..
وكأي سائح عادي أيضاً، راح يلتقط الصور للميادين، والنافورات، والمباني القديمة أيضاً..
كل ما صادفه من مبان قديمة..
ولأنه محترف، لم يول اهتماماً أكثر لذلك المبنى الحكومي، الذي يحوي الخزانة، بل التقط له العدد نفسه من الصور، ومن الزوايا نفسها.
ولقد أثار هذا اهتمام وانتباه (أليكس بريلمانوف) بشدة، وهو يراجع التقارير والصور، التي التقطها رجال (كي. جي. بي) للأميركي، وغمم في شيء من العصبية:
- هذا الرجل محترف بحق.
ثم راح يحك ذقنه لدقيقة كاملة، كعادته كلما انهمك في تفكير عميق، قبل أن يضيف في توتر:
- لم أكن أتصور أن الأميركيين قد تقدموا الى هذا الحد.
صمت مرة أخرى لفترة طويلة، ولكن أحداً من رجاله لم يجرؤ على مقاطعة صمته هذا بحرف واحد، حتى اعتدل فجأة، وسأل في اهتمام شديد:
- كم تبلغ مدة تأشيرة الإقامة، التي حصل عليها ذلك الأميركي.
أجابه مساعده في سرعة:
- أسبوع واحد.
التقى حاجباه في شدة، وهو يقول:
- عظيم.. هذا يعني أنه لابد وأن يضرب ضربته خلال الأيام الأربعة المقبلة.
وانطلقت من أعمق أعماق صدره زفرة ملتهبة، قبل أن يضيف في صرامة، وهو يتراجع مرة أخرى في مقعده:
- يمكننا الانتظار إذن..
وصمت لحظة، ثم استعاد عصبيته لسبب ما، وهو يستطرد:
- والصبر.
أما (ستيف)، فقد قضى اليوم الرابع في زيارة مصانع (كارل زايس)، وبدأ يتفاوض بالفعل على شروط التعاقد، حتى الثالثة عصراً، ثم عاد إلى فندقه، وظل به حتى السادسة، ثم غادره ليحصل على الصور، التي طلب من أحد المحال الشهيرة في (برلين) الشرقية طباعتها.
كانت كل تصرفاته تبدو هادئة بسيطة، على نحو لا يمكن أن يثير الشبهات حوله، في أية ظروف عادية..
وداخل حجرته بالفندق، فرد (ستيف) كل صور المبنى الحكومي أمامه، وراح يدرسها بمنتهى العناية، كما يفعل في كل مرة، يقوم فيها بواحدة من عمليات السرقة المعقدة، التي اشتهر بها..
وفي اللحظة التي كان يضع فيها لمسات خطته، كان هناك تطور خطير يحدث هناك.. في (واشنطن)..
فمع خطأ أمني، وقع فيه عميل المخابرات السوفيتية، انكشف أمره..
ووقع في قبضة المخابرات الأميركية..
وفي عالم المحترفين، يكون أول ما يحرص عليه جهاز المخابرات، عندما يوقع جاسوس بين صفوفه، هو أن يمنعه من تدمير أوراقه، ومن إبلاغ جهاز المخابرات المنافس سقوطه..
لذا فقد كشف الأميركيون أمر الجاسوس السوفيتي، ولكنهم لم يظهروا هذا، واكتفوا بمراقبته بعض الوقت، ورصد كل تحركاته وسكناته واتصالاته..
وفي الوقت ذاته، كان هو يواصل محاولاته، لتنفيذ ما تلقى الأوامر من (موسكو) بشأنه، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المهمة، التي سافر من أجلها (ستيف جوست) إلى (برلين) الشرقية..
وعندما أدرك الأميركيون ما يسعى إليه الجاسوس، أصابهم الذعر، حتى أن (ادجرتون) قد تخلى عن وقاره ورصانته التقليديين، وهو يهتف:
- رباه!.. إذن فقد كشفوا أمر (ستيف).
أجابه (هارولد) في عصبية:
- بالتأكيد.. ولكن المشكلة أنه ليست لدينا وسيلة واحدة للاتصال به أو تحذيره.
وانعقد حاجباه الكثان، وهو يضيف:
- ولكن لدينا معلومات مؤكدة بأنهم لم يحاولوا حتى إلقاء القبض عليه، حتى هذه اللحظة.
حدق (ادجرتون) في وجهه بدهشة تحمل لمحة من الذعر، قبل أن يلتقي حاجباه بدوره، وهو يقول في توتر شديد:
- السوفيت يلعبونها بحرفية شديدة.
نطقها، ثم غرق في تفكير عميق، احترم خلاله (هارولد) صمته، فلم ينبس ببنت شفة، حتى رفع (ادجرتون) عينيه إليه فجأة، قائلاً بمنتهى الحزم، الحسم، والصرامة، والإصرار:
- سأسافر إلى (برلين).
واتسعت عينا الكولونيل (هارولد) عن آخرهما..
فقرار (ادجرتون) كان مباغتاً وخطيراً..
وإلى أقصى حد.

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:03 am

(6) غريزة أساسية.
(على الرغم من أن (ستيف جوست) قد درس بالفعل، كل التفاصيل الدقيقة لتصميمات ذلك المبنى الحكومي المستهدف، اثناء تدريباته في أميركا، إلا أنه قضى شطراً طويلاً من الليل، في دراسة الصور التي التقطها للمبنى، بمنتهى الدقة والاهتمام.
فبطبيعته كلص سابق، لم يكن يشعر بالارتياح، إذا لم يدرس موقع عمليته، من خلال تصميمات هندسية على أوراق كبيرة.
كان يحتاج إلى نوع من التآلف البصري، والاعتياد المكاني...
وفي الظروف العادية، كان سيذهب بنفسه لزيارة المبنى، ويتجول فيه بعض الوقت، ويقترب من موضع الخزانة المنشودة بقدر الامكان، حتى يألفه، ويعتاده، ويستطيع التحرك داخله بخفة وبساطة، عندما تحين اللحظة.
ولكنه، وفي ظل عمله لحساب جهاز مخابرات، في أرض معادية، كان مضطراً للاكتفاء بهذه المجموعة من الصور.
وكان عليه أن يغوص بكيانه داخلها، كما لو انه يتجول في المكان فعلياً...
وهذا بالنسبة إليه أمر عسير...
عسير للغاية...
لذا، فهو لم يشعر بالارتياح قط، بل راوده شعور بالتوتر، في الثالثة والربع صباحاً، مما دفعه إلى الخروج للشرفة، على الرغم من برودة الجو.
ولم يكد (ستيف) يفعل، حتى انطلق في أعماقه جرس انذار مباغت، وأضاء في أعمق أعماق مخه مصباح أحمر صغير.
غريزة اللص في أعماقه، صرخت بكل قوتها، في كل خلية من جسده، عندما وقع بصره على السيارة السوداء الصغيرة، التي تقف أمام الفندق مباشرة، وعلى ذلك الرجل البدين الغليظ داخلها، والذي كان يتطلع إلى شرفته مباشرة.
صحيح أن البدين قد ادار عينيه بعيداً، فور خروج (ستيف) إلى الشرفة، إلا أن هذا الأخير كان من الذكاء والحنكة والخبرة، بحيث رصد الموقف كله في ثانية واحدة لا غير...
واستوعبه... وفهمه...
كان من السهل أن يدرك عقله الأمر، مع وجود ذلك البدين، في تلك الساعة المتأخرة، وتطلعه إلى شرفته هو بالتحديد، على الرغم من أن واجهة الفندق تحوي ثلاث عشرة شرفة أخرى.
ولكن مثله لم يكن يعتمد على عقله وحده، في مثل هذه الأمور...
لقد كان اعتماده الرئيس دوماً، على غريزة خاصة، كامنة في أعماقه، وتجيد تحليل الأمور واستيعابها، بأكثر مما يجيدها عقله ألف مرة...
غريزة أساسية، لم يهمل الاستماع إليها طوال حياته، إلا في تلك المرة، التي سقط فيها في قبضة الشرطة...
وهذه الغريزة الأساسية أنبأته بأنه مراقب...
وبأن أمره قد انكشف...
وعلى الرغم من هذا، فإن خلية واحدة من جسده لم ترتجف، أو تنكمش، خوفاً، أو ذعراً...
لقد ظل هادئاً، بسيطاً، والتقط نفساً عميقاً، ملأ به صدره بالهواء البارد، دون أن يلقي نظرة ثانية على السيارة السوداء، أو البدين داخلها، ثم عاد إلى حجرته، وأغلق الشرفة في احكام.
وفي بطء، اتجه إلى فراشه، ورقد فوقه، وراح يتطلع إلى السقف، وعقله يعمل في سرعة ودقة لتحليل الموقف، على ضوء المعطيات الجديدة...
لقد انكشف أمره...
ليست لديه ذرة من الشك في هذا...
صحيح أنه قد اتبع كل أساليب الحيطة والحذر، ولكنهم كشفوا أمره بوسيلة ما، لا يمكنه التوصل إليها الآن.
ولساعة كاملة، راح يدرس الموقف منذ البداية، ويحاول استيعابه، وتحليله، وفهم ما يفعله السوفيت، على ضوء دراسته لأسلوبهم، ونظمهم، وطبيعة أجهزتهم الأمنية، في (برلين) الشرقية.
ورويداً رويداً، وبعبقرية فذة، استنتج عقل اللص السابق الأمر كله.
وعلى نحو مدهش بحق، كما أشارت التقارير، التي أفرج عنها، بعد أكثر من ربع قرن من الزمان.
فقد استنتج وجود جاسوس سوفيتي، وسط صفوف الأميركيين، أنبأهم بأمره، ولكنه عجز عن تحديد هدفه.
لهذا تركه السوفيت يدخل (برلين) الشرقية، ويعمل داخلها، دون أن يلقوا القبض عليه، أو يحاولوا اعتراضه أو منعه، من مواصلة مهمته...
إنهم مثل الأميركيين، يتلهفون على الحصول على تلك السجلات النازية، التي تحوي كل أسرار شفرات اتصالاتهم، ومستعدون للقتل في سبيلها...
لذا، فقد تركوه يعمل، واكتفوا بمراقبته، حتى يظفر بالغنيمة، لينقضوا عليه من كل صوب، ويفوزوا بها...
وبعدها لن ينتظره سوى مصير واحد...
مصير مظلم رهيب...
استعاد عقله كل المعلومات والصور، التيي شاهدها للمعتقلات السوفيتية، ووسائل اللاستجواب والتعذيب، وهو راقد على فراشه، وعيناه تحدقان بالسقف في شرود، وذهنه يعمل على نحو عجيب، يكاد معه مخه يشتعل.
ولكن من المؤكد أن (ستيف جوست) هذا، كان من طراز خاص للغاية فقد حسم أمره، قرب الخامسة صباحاً، واتخذ قراره، ثم نام ملء جفنيه حتى التاسعة، وكأنما لا يشغله أي شيء آخر في الوجود...
وفي التاسعة والنصف، كان يتناول إفطاره في فندقه، وهو هادئ الملامح، باسم الثغر، وكأن كل ما يدور حوله مجرد فيلم هزلي، يثير في أعماقه أكبر قدر من الاستمتاع...
وفي هذا الصباح، وعلى الرغم من ارتباطه بموعد سابق، لم يذهب (ستيف) إلى مصانع (زايس)، وإنما اتجه إلى متحف التاريخ، وقضى فيه ما يقرب من ثلاث ساعات كاملة، يفحص كل ركن، وكل حجرة، ثم توقف لنصف ساعة كاملة عند مدخل القبو، والتقط له عدة صور، منها صورة مقربة لرتاج الباب، أثارت انتباه مراقبه، الذي أسرع يبلغ الخبر لرجل المخابرات السوفيتية (أليكس)... ولقد استقبل (أليكس) الخبر في حيرة شديدة، جعلته يتراجع في مقعده، ويحك ذقنه بكل عصبية الدنيا، قبل أن يغمغم:
- عجباً!... ماذا أصابه؟!
سأله مساعده في حذر:
- ما الذي يقلقك أيها الرفيق؟!
أشار (أليكس) بيده، قائلاً:
- الرجل كان حريصاً للغاية منذ البداية، وكان يتصرف بحرفية مدهشة، ثم فجأة، تجاهل كل هذا، وبدأ يعمل على نحو سافر، إلى درجة مستفزة، فما الذي يمكن ان يعنيه هذا؟!
بدأ التفكير على وجه مساعده بضع لحظات، قبل أن يتمتم في حيرة:
- ما الذي يمكن أن يعنيه؟!
تنهد (أليكس)، قائلاً:
- ربما لم تعد هناك ضرورة للانتظار.
ثم اعتدل بحركة حادة، مستطرداً:
- ذلك الرجل ينوي القيام بمهمته الليلة.
هتف مساعده في انبهار:
- الليلة أيها الرفيق؟!
هب (أليكس) من مقعده، وهو يقول في صرامة:
- أبلغ المراقبين أنني أريدهم أن يتابعوا كل حركة يقوم بها ذلك الأميركي... كل همسة... كل خطوة يخطوها... لا أريده أن يغيب عن بصرهم لحظة واحدة.
قال مساعده في توتر:
- هذا ما يفعلونه طوال الوقت.
صاح به (أليكس):
- أريدهم أن يفعلوه بدقة أكبر.
أسرع مساعده يبلغ أوامره للمراقبين، في حين اتجه (أليكس) نحو نافذة حجرة مكتبه، وعقد كفيه خلف ظهره، وهو يتطلع عبرها في صمت، وقد انعقد حاجباه في شدة، وعقله يدير الأمر في رأسه مرة ثانية... وثالثة... ورابعة...
وعلى الرغم من ثقته فيما ذهب إليه، كانت هناك لمحة من الشك، تعربد في أعماقه، و...
" متحف التاريخ أغلق أبوابه...".
اقتحم صوت مساعده أفكاره، فقال في صرامة عصبية:
- دعهم يتبعونه، أينما ذهب.
ازدرد مساعده لعابه، قبل أن يقول بكل توتره:
- إنه لم يغادره.
واستدار إليه (أليكس) في دهشة عارمة...
فالخبر كان مفاجئاً...
ومقلقاً...
للغاية..

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:05 am

(7) الأوراق المكشوفة.
(في صبر عجيب، ظل (ستيف) يتجول في متحف التاريخ، حتى انطلق جرس الإغلاق، وبدأ الحراس عملية تنظيم خروج الزائرين..
عندئذ، تحرك (ستيف) في خفة، ودلف إلى واحدة من دورات المياه، الموجودة بالمكان، ووثب يتعلق بالإطار العلوي لبابها، ثم دفع جسده في رشاقة مدهشة، ليلصق ظهره بالسقف، ويتعلق في هذا الوضع المعقد، حتى فتح أحد الحراس الباب، وتأكد من خلو المكان، ثم أغلق من الخارج في إحكام.
عندئذ فقط، وثب (ستيف) إلى الأرض في خفة، ودون أن يحدث أدنى صوت، ثم ألصق أذنه بالباب، ليتابع عملية إخلاء المكان وإغلاقه.
وفي الخارج، كان المراقبون يشتعلون توتراً وحيرة، وهم يراقبون خروج زوار المتحف، دون أن يبدو أدنى أثر للأميركي، الذي كانوا يراقبونه بالداخل منذ دقائق.. وانتهى خروج الجميع، وأغلق الحراس المتحف من الخارج بالفعل..
وجن جنون المراقبين..
ولنصف ساعة أو يزيد، راح المراقبون يدورون حول المبنى، الذي أغلقت كل مداخله ومخارجه، دون أن يظهر أثر (ستيف)..
ثم وصل (أليكس) بنفسه، في سيارة خاصة، وراح يستجوب المراقبين لنصف ساعة أخرى، قبل أن يتأكد من أن الأميركي مازال بالداخل، على نحو لا يتطرق إليه الشك..
وفي توتر، تطلع (أليكس) إلى مبنى متحف التاريخ، خمس دقائق كاملة، قبل أن يقول بلهجة آمرة صارمة:
- حاصروا المبنى.. اطلبوا امدادات إضافية.. المهم ألا تتركوا ثغرة واحدة، تكفي لخروج ذبابة من هنا.
سأله مساعده في توتر:
- لم لا نقتحم المتحف أو..
قاطعه في صرامة قاسية:
- كلا.. من الخطأ الجسيم أن نفعل هذا.
ثم عاد يتطلع إلى مبنى المتحف، مستطرداً في حدة:
- دعوه يقوم بعمله، حتى يحصل على ما أتينا من أجله.
وصمت لحظة، ثم أضاف في صرامة:
- ونحن نحاصر المبنى كله، ولن يجد وسيلة واحدة للخروج منه، دون أن يقع في قبضتنا.
في اللحظة نفسها، التي نطق فيها عبارته، كان (ستيف) يخلع معطفه الأنيق، ويلقيه جانباً، ليبدو من تحته ذلك الزي الرياضي الأسود، الذي ارتداه في الصباح، ثم استبدل حذاءه الجلدي بحذاء أسود رياضي، كان يخفيه في جيبي معطفه، وحمل حول كتفه حبلاً قوياً، ينتهي بخطاف رباعي، قبل أن يعدو في خفة في درجات سلم المبنى، حتى بلغ طابقه الثالث والأخير.
ومن هناك تسلل إلى السقيفة العلوية، التي يحتفظون فيها بالمقتنيات القديمة، وعبر نافذتها، ليتطلع من أعلى إلى رجال المخابرات السوفيتية، الذين أحاطوا بالمبنى، في انتظار خروجه..
كان هذا يعني أن ذلك الجزء من خطته الفطرية ناجح للغاية، على الأقل من جذب الكل إلى حيث أراد..
وعلى الرغم من حساسية الموقف، ودقته، وخطورته، كان (ستيف) يتحرك بهدوء ونشاط وحيوية، كما لو أنه لاعب في سيرك، وليس عميلاً لجهاز مخابرات، معادياً للدولة التي يعمل على أرضها، ويكفي خطأ واحد منه، ليكون الموت مصيره، بلا رحمة أو هوادة...
وبكل الخفة والحذر، راح يسير على الإفريز الضيق، المحيط بالسقيفة، وهو يحمل الحبل ذا الخطاف الرباعي على كتفه..
كانت المسافة التي تفصله عن ركن المبنى لا تزيد عن عشرة أمتار، ولكنها بدت أشبه بدهر كامل، وهو يسير على بمنتهى الحذر، فوق ذلك الإفريز، الذي لا يزيد عرضه عن عشرة سنتيمترات، وتحته يقف جيش متحفز، من رجال المخابرات السوفيتية..
وعندما بلغ الركن، توقف بضع لحظات، ليلتقط أنفاسه، ويسيطر على أعصابه، قبل أن يلقي نظرة أخرى على (أليكس) ورجاله، ثم يتمتم، في شيء من السخرية:
- كل هذا لأنني خالفت، ولأول مرة، القاعدة الذهبية، التي حرصت عليها طيلة عمري.. لم يكن ينبغي قط أن أعمل مع شركاء.
هز رأسه، وهو يلتقط الحبل، ثم يديره في الهواء في خفة، قبل أن يلقيه نحو قائم معدني يبرز من أعلى سطح المبنى المجاور..
ولأنه لص محترف، اعتاد استخدام هذه الوسيلة مرات ومرات، خلال عملياته السابقة، فقد التف الحبل حول القائم المعدني، من المحاولة الأولى، ودار الخطاف الرباعي، ليحكم وضعه بقوة..
ولثوان، توقف (ستيف) ليتأكد من أحداً لم ينتبه إلى ما حدث، ثم لم يلبث أن تشبث بالحبل، وألقى جسده في الهواء..
وعلى مسافة خمسة وعشرين متراً تقريباً، وفوق رؤوس رجال المخابرات السوفيتية، طار جسده في الهواء، متعلقاً بالحبل، حتى استقبل جدار المبنى المقابل بحذائه المطاطي، دون أدنى صوت..
ولنصف دقيقة تقريباً، ظل معلقاً بالحبل، دون أن يصدر عنه أدنى صوت، وعيناه معلقتان برجل المخابرات (أليكس) ورجاله، الذين التفوا حول مبنى متحف التاريخ، دون أن يرفع أحدهم رأسه إلى أعلى لحظة واحدة..
ثم، وبخفة مدهشة، راح يتسلق الحبل، ليبلغ سطح المبنى..
كان هذا سر لقب (جوست) الذي يحمله، والذي يعني (الشبح) بالانجليزية فمنذ نعومة أظفاره، كان اهتمامه شديداً بتنمية مهاراته الجسدية، ولياقته البدنية، ومرونته التي بلغت حداً مدهشاً، مع مداومته على التمرين، حتى أصبحت تحركاته خفيفة رشيقة، إلى الحد الذي جعله أشبه بالشبح، لا يراه أو يشعر بوجوده أحد، وهو يتسلل إلى أي مكان..
ولقد بلغ سطح المبنى المقابل، واستغرق فوقه بضع دقائق، ليطمئن إلى أن كل شيء يسير على ما يرام، قبل أن يجذب الحبل ، ويلفه حول كتفه مرة أخرى، ثم ينطلق من سطح إلى آخر، في طريقه إلى ذلك المبنى الحكومي، على بعد مربع سكني واحد، من متحف التاريخ..
أما (أليكس)، فقد بدأ يشعر بالتوتر، وهو يقف مع رجاله، أمام متحف التاريخ، وراح يزفر على نحو شبه متصل، قبل أن يقول في حدة:
- المفترض أنه خبير خزائن فلماذا استغرق كل هذا الوقت؟!
هز مساعده رأسه، قائلاً:
- لست أدري.. لكن المراقبين يقولون: إن تصرفاته تتسم أحياناً بالغرابة، فأمس مثلاً خرج إلى الشرفة، في الثالثة صباحاً، على الرغم من برودة الطقس، و...
استدار إليه (أليكس) بحركة حادة، والتقى حاجباه في شدة، وهو يمسك كتفه في قوة، انغرست معها أصابعه في كتف مساعده، وهو يهتف:
- خرج إلى الشرفة؟!.. ولماذا لم يبلغني أحد بهذا؟!.. لماذا؟!..
امتقع وجه مساعده، وهو يقول:
- لم.. لم أظن أن الأمر بالأهمية التي..
قاطعه (أليكس) بصرخة هادرة، وأصابعه تنغرس في كتفه أكثر:
- غبي!
ازداد التقاء حاجبيه الغاضبين، وهو يعيد رسم الصورة في ذهنه، وفقاً لتلك المعلومة، التي بدت لرجاله تافهة، والتي قلبت المعنى كله في مخه، رأساً على عقب.. لقد علم الأميركي أنهم يراقبونه...
وياله من جريء!..
لقد قرر أن يلعب بأوراق مكشوفة، وأن يعبث بهم جميعاً..
وبكل الغضب، الذي اشتعل في أعماقه، وأحرق عروقه وأعصابه، صرخ (أليكس):
- اقتحموا المكان.
لم تمض على صيحته عشرون دقيقة، حتى كان رجاله المذعورون يخبرونه بالنتيجة، وكل ذرة في كيانهم ترتجف..
إنهم لم يجدوا أثراً للأميركي، في أي مكان بالمتحف.
وأصر (أليكس) على البحث بنفسه.
وبعينه الخبيرة، شاهد الآثار في السقيفة، ونافذتها المفتوحة، وأثر قدم (ستيف) على الإفريز الضيق..
وفهم كل شيء..
وتضاعف غضبه أكثر وأكثر، وهو يلتفت لرجاله، ويقول في صرامة، لم ينطق بمثلها قط، في حياته كلها:
- حاصروا المنطقة كلها، واعلنوا الطوارئ القصوى في (برلين) كلها.. ربما ينجح ذلك الأميركي في خداعنا، ولكنه مازال داخل حدودنا، ولن نسمح له بالخروج منها حياً أبداً.
ودون اضاعة ثانية واحدة، انطلق الرجال لتنفيذ الأمر، وغضب (أليكس) يتضاعف أكثر.. وأكثر.. وأكثر..
وكان هذا يعني بداية جولة جديدة، في صراع الجواسيس..
جولة عنيفة..
وقاتلة..

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:08 am

(8) الأصابع الذهبية.
( لم يكد رجل المخابرات الأميركي (ادجرتون) يصل إلى (برلين) الغربية، حتى استقبله العميل أزرق العينين، وقال في توتر، وهو يقود بهما سيارته بنفسه:
- السوفيت أعلنوا حالة الطوارئ القصوى في (برلين) الشرقية، وكل حدودهم مغلقة.
سأله (ادجرتون) في قلق عارم:
- ألا توجد أية وسيلة للدخول هناك؟!
أجابه أزرق العينين على الفور:
- الدخول ليس مشكلة.. المهم الخروج.
تراجع (ادجرتون) في مقعده، وهو يغمغم:
- رباه!.. عميلنا بالداخل يواجه خطراً داهماً إذن.
وافقه أزرق العينين بإيماءة من رأسه، قبل أن يقول:
- حالة الطوارئ القصوى هذه، تعني أنهم لم يظفروا به بعد.
قال (ادجرتون) في سرعة:
- وتعني أيضاً أنه في قلب الجحيم الآن.
صمت أزرق العينين بضع لحظات، قبل أن يقول:
- لست أظن أنه لدينا وسيلة لإنقاذه.. أو حتى لمعاونته.
مط (ادجرتون) شفتيه، وهو يقول:
- يجب أن نجد وسيلة ما.. لم أقطع المسافة، من (واشنطن) إلى هنا، لأقف موقف المتفرج.. لابد وأن نجد وسيلة ما.
وصمت لحظة قبل أن يضيف، بكل توتر الدنيا:
- قبل فوات الأوان..
لم يدر (ستيف) بما حدث بسببه، في (برلين) الشرقية كلها، وهو يواصل الانتقال عبر الأسطح، حتى بلغ البناية الحكومية المنشودة..
وعلى سطحها، ثبت طرف الحبل، في السور الخلفي القصير، ثم تعلق به، وبدأ ينخفض بواسطته، على الواجهة الخلفية للمبنى، حتى بلغ نافذة مغلقة، في طابقه الرابع، فالتقط من جيبه أداة رفيعة، راح يعالج بها رتاج النافذة بيمناه، وهو معلق بالحبل بيسراه، حتى استجاب له الرتاج، وانفتحت النافذة، فدفع جسده عبراها، وهبط في ممر الطابق، في مرونة ورشاقة، ودون أدنى صوت..
ولثوان عشر، تجمد في مكانه ليتأكد من عدم وجود حارس داخل المبنى، ثم لم يلبث أن بدأ تحركه بمنتهى النشاط والخفة.. والسرعة أيضاً..
وأمام مهارته وخبرته، المكتسبة من طول التمرين، ومن عملياته السابقة الناجحة، انفتحت كل الأبواب، وانزاحت كل العقبات، حتى وجد نفسه داخل القبو..
ومن النظرة الأولى، أدرك أن هذا القبو لم يتغير كثيراً، منذ سقوط وانهيار الرايخ الثالث، فقد كانت هناك طبقة كثيفة من الغبار تكسو كل شيء، وخيوط العنكبوت تنتشر في كل مكان، حتى أنه قد أخرج منديله، وأحاط به أنفه وفمه، وهو يشعل مصباحه اليدوي، ويتحرك في المكان في خفة وسرعة، نحو البقعة التي أشار إليها جندي الإشارة السابق (رودلف ميلر)، في اعترافاته..
كان المكان يحوي بعض الملفات القديمة، التي التهمت الفئران معظمها، والملقاة بإهمال بشع، على نحو يوحي بأن أحدهم قد فحصها، ولم يجد فيها ما يفيد أو ينفع..
وفي كل الأركان، كانت هناك قطع من الأثاث القديم، تآكلت أجزاء منها، وتهالكت أجزاء أخرى، في صورة مثالية للإهمال واللامبالاة..
ولكن (ستيف) تجاهل كل هذا، واتجه نحو دولاب قديم، مثبت بالجدار، وراح يزيح قطع الأثاث المتهالكة من أمامه، قبل أن يفتح الدولاب، ذات المفصلات الصدئة، ثم يتطلع إلى قاعه الخشبي بنظرة فاحصة.
وأخرج من جيبه أداة أخرى، بدأ يعمل بها، في قاع الدولاب الخشبي، في همة وسرعة ونشاط، حتى فصله عن الدولاب، وانتزعه من مكانه، و... وخفق قلبه في عنف، وهو يحدق، على ضوء مصباحه اليدوي، في تلك الخزانة الفولاذية القوية، ألمانية الصنع، ذات الرتاج الخاص، والتي أطلت عليه، من خلف القاع المنزوع، فيما بدا له أشبه بتحد سافر، لكل خبراته ومهاراته..
وكجراح خبير، رفع أصابعه أمام وجهه، وتلاعب بها في الهواء، وهو يتطلع إليها في إعجاب مغمغماً:
- هيا يا (ستيف).. إنها أول مرة تعمل فيها دون قفازات.. اثبت للكل أنك الأفضل بلا منافس.. هيا..
في اللحظة التي راحت فيها أصابعه الخبيرة تعالج رتاج الخزانة المعقد كان رجل المخابرات السوفيتي (أليكس بريلمانوف) يفرد أمامه كل الصور التي التقطها (ستيف) للمباني القديمة، والتي حصلوا على نسخة إضافية منها، من المتجر الذي قام بإظهارها، ويدرسها بمنتهى العناية، محاولاً التوصل إلى استنتاج منطقي، يقوده إلى الهدف، الذي يسعى إاليه الأميركي..
وبعقلية لا تقل عبقرية، عن عقلية (ستيف)، راح يستبعد بعض البنايات، إما لبعدها عن متحف التاريخ، وإما لأنها بحكم طبيعتها السياسية أو العسكرية، محاطة بنطاق أمني مكثف، يجعل الاقتراب منها أشبه بالانتحار..
وبنظرية الاستبعاد هذه، لم يعد أمامه سوى مبنيين فحسب.
وهنا، اعتصر عقله بمنتهى القوة، لتحديد الهدف..
هدف (ستيف)..
وكعادته، تراجع في مقعده، وراح يحك ذقنه، وهو يفكر بمنتهى العمق.. ويفكر.. ويفكر..
ثم توصل عقله السوفيتي إلى حل أكثر سهولة وأكثر توفيراً للوقت..
وبكل الحزم، اعتدل في مقعده، وأصدر أمراً حازماً حاسماً، باقتحام المبنيين في آن واحد..
وفوراً..
ولم يكن (ستيف) يدرك هذا بالطبع، وأصابعه الذهبية تعالج رتاج الخزانة في سرعة ومهارة.. واستمتاع أيضاً..
كان قد انفصل تماماً عن كل ما يحيط به، وهو يمارس هذا العمل، الذي يعشقه حتى النخاع، والذي من أجله تخصص في سرقة الخزائن الصعبة بالتحديد..
ربما لم يكن ما يحصل عليه هو مصدر متعته، وإنما تلك المواجهة بينه وبين كل خزانة صعبة يتعامل معها، هو مصدر متعته الأول..
ولقد خفق قلبه في عنف، وانتشر الفرح في كل خلية في جسده، عندما استجاب له الرتاج أخيراً، وانفتحت الخزانة النازية أمام عينيه، معلنة هزيمتها واندحارها، أمام أصابعه الذهبية..
ولثوان، تملكته نشوة النصر، فجمد في مكانه، وهو يتطلع إلى الملفات المستقرة داخلها، قبل أن يغمغم، بكل سعادة الدنيا:
- فعلتها مرة أخرى يا (ستيف).. فعلتها مرة أخرى أيها العبقري الفذ..
ومن حسن حظ (أليكس) أنه لم يسمع هذه العبارة، وهو ينطلق بسيارته، نحو أحد المبنيين، اللذين وقع عليهما اختياره، وكل ذرة في كيانه تشعر بالغضب والثورة، وتصر على ربح هذه المعركة، وتدمير ذلك الجاسوس الأميركي.. أياً كان الثمن..
والعجيب أنه، وبغريزته وحدها، اتجه نحو المبنى الحكومي المنشود، مع فريق من رجاله، في حين أرسل فريقاً آخر إلى المبنى الثاني، مع أوامر محدودة صارمة..
محاصرة المبنى، واقتحامه، وإلقاء القبض على كل من بداخله، أياً كانت هويتهم، وإطلاق النار فوراً، ودون إنذار، على أي مخلوق يحاول الفرار..
أي مخلوق بلا استثناء..
ولأنه أيضاً رجل مخابرات محنك، فقد كان يدرك أن فرار الأميركي، وهو يحمل كل هذه الكمية من الوثائق والملفات أمر عسير.. إن لم يكن مستحيلاً، وأنه سيعطل فراره، ويثقل حركته حتماً..
وعلى الرغم من هذا، فقد تحرك بمنتهى السرعة، فلم تكد سيارته تبلغ ذلك المبنى الحكومي، حتى جعل رجاله ينتشرون حوله، ويحاصرونه، وهتف بهم بكل صرامته وانفعاله:
- الأسطح.. لا تهملوا الأسطح.
وبمنتهى العنف، اقتحم رجاله المبنى، في اللحظة التي اقتحم فيها الفريق الآخر المبنى الثاني.. وخلال دقائق معدودة، انتشر رجاله في كل مكان، واندفع هو داخل المبنى، صائحاً في صرامة:
- لا أريد لبرغوث أن يخرج من هنا، حتى ولو أصبح خفياً.
لم يكد يتم عبارته، حتى سمع أحد رجاله يهتف في عصبية:
- القبو أيها الرفيق.. أسرع.
وبكل توتره وعصبيته ولهفته، اندفع رجل المخابرات السوفيتي إلى قبو ذلك المبنى الحكومي المنشود، و...
وكانت بانتظاره مفاجأة..
مفاجأة مذهلة..

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:10 am

(9) برلين...
" ترى كم يبلغ عدد الملفات، التي حلل فيها النازيون تلك الشفرة الروسية؟!.. ".
ألقى أزرق العينين السؤال في حذر، وهو يقود سيارته متجهاً نحو الحدود الفاصلة بين (برلين) الشرقية والغربية، فالتقط (ادجرتون) نفساً عميقاً، قبل أن يجيبه:
- ثلاثون أو أربعون ملفاً تقريباً.
تراقص سؤال آخر على شفتي أزرق العينين، قبل أن يندفع من بينهما، وهو يقول:
- وكيف يمكن أن يحملها (ستيف) هذا، في ظروف كهذه؟!
صمت (ادجرتون) لحظة، بدا خلالها وكأنه يراقب الطريق، قبل أن يجيب في اقتضاب:
- لن يحملها.
سأله أزرق العينين في فضول:
- ماذا سيفعل بها إذن؟!
كان سؤاله هذا يتجاوز كل القواعد المسموح بها، حيث لا يتيح عالم المخابرات المعرفة، إلا بقدر الحاجة، لذا فقد لاذ (ادجرتون) بالصمت بضع لحظات هذه المرة، قبل أن يقول في خفوت:
- الملفات تحوي الشفرات السوفيتية، المستخدمة أثناء الحرب، ومفاتيحها، والدراسات التي أجريت لتحليلها، ووضع النظم الخاصة بها، ثم تقرير النتائج النهائية للدراسات وفي حالة الطوارئ، تكفينا مفاتيح الشفرات، وتقارير النتائج فحسب، وهذا سيكفي خبراءنا، لوضع كل المراحل الوسطية وتحقيق المطلوب.
حاول أزرق العينين أن يستوعب ما يعنيه هذا، فتمتم في حذر:
- إذن فهو سيحمل عدداً محدوداً من الأوراق فحسب.
هز (ادجرتون) رأسه في بطء مجيباً في حزم صارم، يشف عن عدم استعداده لمواصلة الحديث في هذا الأمر:
- إنه لن يحمل ورقة واحدة.
وانعقد حاجبا أزرق العينين في شدة هذه المرة..
فهو لم يفهم ما يعنيه اللغز هذه المرة..
لم يفهم أبداً..
كل التقارير الرسمية، التي لم تنشر إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، في أوائل التسعينات، أكدت أنه، ومنذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، لم تشهد (برلين) الشرقية توتراً، مثل الذي شهدته في تلك الليلة...
فعندما اندفع (أليكس بريلمانوف) إلى قبو ذلك المبنى الحكومي، استقبلته سحابة من الدخان، مع صيحة أحد رجاله:
- الملفات تحترق.. كلها.
اتسعت عينا (أليكس) عن آخرهما، وهو يعدو بكل قوته، ليقطع المسافة بين موقعه والقبو، في قفزة واحدة، قبل أن تشتعل كل ذرة في كيانه غضباً، كاد يبلغ حد الجنون، وهو يحدق في وعاء معدني قديم، اندلعت منه النيران، على مسافة متر واحد من الخزانة السرية المفتوحة الخالية وهي تلتهم ملفات الشفرة السرية التهاماً..
وبكل غضبه وثورته، صرخ (أليكس):
- أين الأميركي؟!
سعل أحد رجاله، مع الدخان الكثيف، قبل أن يجيب في توتر:
- لم نعثر له على أثر.. يبدو أنه قد انصرف قبل وصولنا.
صرخ (أليكس):
- لا... مستحيل!
ثم اختطف جهاز الاتصال اللاسلكي من أقرب رجاله إليه، وصاح عبره في غضب هادر:
- أغلقوا كل الطرقات.. أعلنوا حالة حظر تجوال فورية.. ألقوا القبض على كل من تشتبهون في أمره.
كان يواصل إلقاء أوامره الغاضبة، في اللحظة التي هبط فيها (ستيف)، بواسطة حبله نفسه، ذي الخطاف الرباعي، على الواجهة الخلفية للمبنى المجاور، ثم التصق بالجدار، ليراقب الموقف شديد التوتر، ورجال المخابرات السوفيتية، الذين يعدون هنا وهناك، ويستوقفون كل السيارات والمارة، في قسوة وخشونة وغلظة، لا مثيل لها.
كان من الواضح أن الموقف قد اشتعل بشدة، وأنه قد صار محاصراً في موقعه، ورجال أمن يحيطون به من كل صوب، ويتصرفون بعصبية غاضبة، تجعل وقوعه في قبضتهم مسألة وقت فحسب..
ولثوان، كمن في مخبئه يراقب الموقف، قبل أن يغلق عينيه، ويغمغم:
- لا تتوتر يا (ستيف).. انس أنك في (برلين) الشرقية، وأن من يحيطون بك من المخابرات السوفيتية.. تخيل نفسك في مكان آخر.. في (نيويورك).. ورجال الشرطة مصابون بالجنون، بعد أن نفذت واحدة من عملياتك الناجحة.. نعم.. إنهم مجرد رجال شرطة..
أغلق عينيه في قوة، محاولاً رسم الصورة الجديدة في ذهنه، كوسيلة للسيطرة على أعصابه واستعادة توازنه النفسي والعقلي..
يبدو أن هذا الأسلوب كان ناجحاً للغاية.. وإلى أقصى حد فقد شعر بالهدوء يسري في عروقه، وينتشر في كيانه، وراح التوتر يزول تدريجياً، ويحل محله ذلك الجذل، الذي تنتشي له روحه المغامرة، في أية ظروف مثيلة..
والعجيب أن ذلك الهدوء قد أيقظ عقله، وأنعشه، وجعله يعيد تقييم الموقف بشكل جديد آخر..
حالة الطوارئ جعلت السير، مجرد السير في الطرقات، أشبه بالانتحار، حتى بالنسبة لسكان المدينة كلهم..
فيما عدا رجال الأمن...
تألقت عيناه، عندما توقف عند هذه الحقيقة، وراح عقله يعمل بسرعة خرافية، وجرأة جنونية، وهو يتطلع إلى سيارات الأمن القريبة، ومصابيحها المترددة، التي يضفي تألقها المنقطع رهبة على الموقف كله..
ثم أقدم على خطوة عجيبة..
خطوة مجنونة، جريئة، متهورة، لا يمكن أن يتوقعها أو يتصورها، أو حتى يتخيلها مخلوق واحد..
لقد غادر مكمنه، واتجه في هدوء وثبات، نحو أقرب سيارة إليه، من سيارات الأمن، وفتحها، واتخذ مكانه، خلف عجلة قيادتها، وأدار محركها..
ثم انطلق بها..
والعجيب أن أحداً لم يلتفت إليه، وهو يفعل هذا..بل لم يستوقفه مخلوق واحد، وهو يتجه نحو السيارات، ويدلف إليها، وينطلق بها مبتعداً..
ولكن (أليكس) لمح السيارة وهي تبتعد، فهتف في غضب:
- أين يذهب هذا الغبي؟!
استدار الكل يتطلعون إلى السيارة المبتعدة، قبل أن يصرخ أحدهم:
- إنها سيارتي.
وهنا أدرك (أليكس) الموقف كله، وهتف بكل غضب الدنيا، وهو يندفع نحو سيارته:
- ذلك الأميركي اللعين.
وفي وقت واحد، انطلقت أربع سيارات أمن قوية، خلف السيارة التي فر بها (ستيف جوست)..
وفي شوارع (برلين) الشرقية، تردد دوي أبواق سيارات الأمن، وهي تشق طريقها في توتر بلا مثيل..
ولكن سيارة الأمن، التي فر بها (ستيف)، لم يكن لها أدنى أثر، حتى أن رجل المخابرات السوفيتي هتف في حنق:
- أين ذهب؟!.. إنه لم يتبخر حتماً.
أجابه مساعده في توتر:
- رجالنا انتشروا في المدينة كلها، وحاصروا فندقه، ولكنهم لم يعثروا على أدنى أثر له.
قال (أليكس) في حدة:
- إنه لن يعود إلى فندقه أيها الحمقى.
غمغم مساعده في خفوت مضطرب:
- مجرد احتياط، و...
قاطعه صوت أحد رجال المخابرات السوفيتية، وهو ينبعث عبر جهاز الاتصال اللاسلكي، قائلاً في انفعال:
- أيها الرفيق (أليكس).. عثرنا على سيارة الأمن.
وانعقد حاجبا (أليكس بريلمانوف) في شدة فقد كان هذا الخبر يعني الكثير..
الكثير جداً..

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:12 am

(10) الشرق... والغرب...
(لم ينبس رجال المخابرات السوفيتية ببنت شفة، وهو يقفون أمام سيارة الأمن، التي فر بها (ستيف جوست)، وتركزت أبصارهم جميعاً على (أليكس بريلمانوف)، الذي احتقن وجهه بشدة، وانعقد حاجباه حتى كادا يمتزجان، وأطل من عينيه غضب الدنيا كله، وهو يتطلع إلى السيارة، ومساعده يتمتم في توتر، خشية رد فعل رئيسه:
- الرجال عثروا عليها هنا، في هذا الشارع الضيق، على بعد ثلاثة مربعات سكنية من منطقة فراره.. ومن الواضح أنه قد تركها هنا، حتى لا يتم العثور عليها بسهولة.
قاوم (أليكس) تلك الغصة في حلقه، وهو يغمغم:
- أرادنا أن نقضي أطول وقت ممكن، في البحث عنها.
وصمت لحظة، ثم شرد ببصره، وهو يضيف:
- وعنه.
أراد مساعده أن يقول شيئاً آخر، ولكن (أليكس) استوقفه بإشارة صارمة، وهو يفكر في عمق. كان يقاوم ذلك الغضب الهادر في أعماقه، والذي يمنع صفاء عقله، وقدرته على التفكير الهادئ، وعلى الرغم من تماسكه الظاهر، كانت كل ذرة في كيانه ترتجف، من فرط الانفعال والثورة.
وبكل طاقته وإرادته الفولاذية، راح يسيطر على أعصابه، وينقي عقله، ويحاول وضع نفسه في موضع الأميركي، وتقمص أسلوبه في التفكير..
لقد فر من حصار محكم، بأسلوب بالغ الجرأة والذكاء، ثم أخفى سيارة الأمن، التي يعلم الكل أنها وسيلته للفرار، واختفى وسط شوارع (برلين)..
ولكنه لا يستطيع العودة إلى فندقه، وليس من الحكمة أن يختبئ في أي مكان، لأن فرق البحث ستعثر عليه، أن عاجلاً أو آجلاً، وكل دقيقة تمضي تعني المزيد والمزيد من الخطر، و...
"الحدود.."..
هتف (أليكس) بالكلمة، بغتة، بعد أن استقر عليها ذهنه، واستدار إلى مساعده، هاتفاً بكل انفعاله:
- أذكى ما يفعله الآن هو أن يتجه إلى الحدود..
ارتبك مساعده، وهو يردد:
- الحدود؟!... ولكن...
قاطعه (أليكس)، وهو يندفع نحو سيارته، متابعاً بالانفعال نفسه:
- لقد أخفى سيارة الأمن هذا، ليضيع أكبر وقت ممكن، وليربكنا كثيراً وطويلاً، حتى يصل إلى الحدود، بجواز سفره الأميركي.
قال مساعده، وهو يعدو خلفه نحو السيارة:
- ولكنهم لن يسمحوا له بالعبور.
هتف (أليكس) وهو يحتل مقعد القيادة:
- ليست لديهم أية أوامر لمنعه من العودة إلى الغرب.
وثب مساعده بالكاد إلى المقعد المجاور له، قبل أن ينطلق (أليكس) بالسيارة، التي امتزج صرير إطاراتها بصيحته الهادرة:
- اتصل بالحدود الغربية لاسلكياً، وأبلغهم ببياناته، واطلب منهم منع عبور أي أجنبي إلى الغرب، حتى نصل إليهم... هيا.
في اللحظة نفسها التي انطلقت فيها أوامره، كان (ستيف) ينطلق بسيارة المانية قديمة، سرقها من أمام متجر بقالة صغير، نحو الحدود الغربية، التي تفصل بين (برلين) الشرقية والغربية، وقد انعقد حاجباه انعقادة لا تتناسب مع تلك الابتسامة الجذلة، المرتسمة على شفتيه...
كان يعلم أن الأمر لم ينته بعد، وأن المسافة التي تفصله عن الحدود، قد أصبحت تعني الفارق بين الحياة والموت، وعلى الرغم من هذا، فقد كان يشعر بنشوة عارمة في أعماقه، بعد أن بلغ هدفه، وحصل على مبتغاه، ونجح في خداع رجال المخابرات السوفيتية، الذين قرأ الكثير والكثير عن براعتهم، وخبرتهم، وقسوتهم في التعامل مع خصومهم.
ولأول مرة، منذ بدأت هذه العملية، رواده شعور بأنه رجل مخابرات، وليس مجرد لص خزائن.
ولأول مرة أيضاً، تنزاح في أعماقه روح المغامر، لتحل محلها طبيعة رجل المخابرات، الذي يواجه خصومه في معركة عنيفة، ينتصر فيها الأكثر براعة وذكاء.
والتقط نفساً عميقاً من الهواء البارد، ملأ به صدره، وابتسم مع القشعريرة الباردة، التي سرت في كيانه، ووجد نفسه يهتف:
- فعلتها يا (ستيف)... فعلتها مرة أخرى.
وعلى الرغم من دقة الموقف وخطورته، وغموض مرحلته المقبلة وحساسيتها، راحت أصابعه تنقر عجلة القيادة، وشفتاه تطلقان صفيراً، للحن أميركي قديم، يعيد إلى عقله ذكرى الطفولة.
حتى لاح منفذ العبور إلى الغرب.
وهنا، استعاد عقله كل حساسية الموقف وخطورته، وهو يوقف سيارته على مسافة أمتار قليلة من المنفذ، وعيناه تراقبان الحواجز، والاستحكامات، ووجوه الجنود القاسية الصارمة، وهم يراجعون اوراق سيارة كبيرة، تستعد للعودة إلى الغرب.
والتقط (ستيف) نفساً عميقاً، وراح يراجع أوراقه، وجواز سفره، الذي يحمل تأشيرة الدخول إلى الشرق، و...
وفجأة، وعلى الرغم من انشغاله بأوراقه، انتبه إلى أمر عجيب..
قائد السيارة الكبيرة، التي تقف عند المنفذ، كان يبدو غاضباً ثائراً، وهو يلوح بأوراقه، في وجوه الجنود...
وكانوا هم يتعاملون معه بمنتهى الصرامة والقسوة...
ثم أمره أحدهم بالانزياح إلى جانب الطريق، وهو يلوح بمدفعه الآلي في وجهه، بمنتهى الحدة والشراسة.
وأطاعهم سائق السيارة الكبيرة مضطراً...
ووقف على جانب الطريق...
ولكنهم لم يلقوا القبض عليه...
فقط منعوه من العبور إلى الغرب.
والتقى حاجبا (ستيف) في شدة، وعقله يدرس الموقف كله...
لو أن أوراق الرجل زائفة، أو كان يحاول الفرار إلى الغرب، لانقض عليه الجنود كالكلاب المسعورة، ونهشوا لحمه نهشاً...
ولو ان الظروف طبيعية، لسمحوا له بالمرور...
هناك سبب آخر إذن، منعهم من السماح له بالعبور إلى الغرب.
وفي هذه الظروف، لم يجد عقله سوى سبب واحد لهذا...
هو...
السوفيت عثروا على سيارة الأمن، وفهموا سبب اخفائه لها، واستنتجوا أنه لن يضيع لحظة واحدة، وسيسعى لعبور الحدود فوراً...
ولقد اصدروا أوامرهم بمنعه من العبور إلى الغرب..
وبأي ثمن..
بل بمنع أية سيارة من عبور الحدود..
التقى حاجباه في شدة، عندما شاهد الجنود يلتفتون إلى سيارته، ثم يتجهون نحوه، ورشاشاتهم مشهورة في تحفز..
وهنا، بدأ التوتر يسري في أعماقه، وانطلق عقله يدرس الموقف كله، ويحسب الخطوات المحتملة، والجنود يقتربون أكثر.. وأكثر.. وأكثر..
ومع اقترابهم، تضاعف توتره، وسرت في عروقه موجة من التحفز، وهو يشعر بالحنق لأنه لم يحمل سلاحاً في حياته قط، و...
وفجأة لاحت تلك الأضواء من بعيد..
أضواء سيارة تقترب في سرعة، عبر الطريق المؤدي إلى منفذ العبور إلى الغرب..
وتوقف الجنود، وتطلعوا إلى السيارة المقبلة، وقد بدا عليهم توتر ملحوظ، وارتفعت فوهات رشاشاتهم في تحفز أكثر..
أما (ستيف)، فلم يكن بحاجة إلى الكثير من الذكاء ليدرك ما الذي يعنيه اقتراب سيارة بهذه السرعة، في ظروف كهذه..
صحيح أن الضوء المنبعث من مصابحي السيارة، كان يحجب وجوه ركابها، ولكن عميل المخابرات الأميركي، ولص الخزائن السابق، كان يراهم بعقله..
وكان عليه أن يقيم الموقف كله، ويستوعب، ويتخذ القرار المناسب بشأنه، قبل أن تصل هذه السيارة، التي تحمل حتماً رجال المخابرات السوفيتية..
فالقرار الذي سيتخذه، لن يعني الفارق بين الشرق والغرب فحسب، بل سيعني في هذا الموقف، الفارق بين الحياة والموت..
وكان على (ستيف جوست) أن يتخذ أصعب وأدق قرار في حياته..
فوراً..

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
مدير المنتدي
المدير العام
المدير العام
avatar

أوسمة أوسمة : وسام الإداري المميز
عدد المساهمات : 734
نقاط التقييم : 12165
تاريخ التسجيل : 13/05/2009
العمر : 32
الموقع : Sudan
العمل/الترفيه : د.صيدلي

مُساهمةموضوع: رد: صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق   الثلاثاء يناير 03, 2012 3:14 am

(11) القرار الأخير...
فجأة، قفز حل اللغز إلى ذهن العميل الأميركي أزرق العينين، فهتف في حماس عارم، وهو يلوح بيده:
- التصوير!
التفت إليه (ادجرتون) في صمت متوتر، فتابع في حماس:
- سيقوم بتصوير ملفات الشفرة كلها، بدلاً من أن يحملها، بكل حجمها وثقلها.
وعلى الرغم من توتره، ابتسم (ادجرتون)، وغمغم:
- سيكون لك مستقبل مبهر، في عالم المخابرات يا رجل.
غمغم أزرق العينين في انبهار:
- حقاً؟!
أومأ (ادجرتون) برأسه وقال:
- نعم يا رجل... لقد منحنا (ستيف) آلة تصوير خاصة، وعشر بكرات من الميكروفيلم، ذات حساسية عالية للغاية، بحيث يمكنه التقاط صور الوثائق كلها بسرعة كبيرة، على ضوء مصباح يدوي، ودربناه على فعل هذا في زمن قياسي.
قال أزرق العينين في حماس:
- وبعدها يمكن أن يترك الملفات خلفه.
أشار (ادجرتون) بسبابته قائلاً:
- خطأ... صحيح أن الملفات تحوي شفرة الاتصال، التي يعرفها السوفيت جيداً، إلا أنهم لا يدركون مدى ما توصل اليه النازيون بشأنها، وتركها خلفه يعني وقوعها في قبضتهم ومعرفتهم لحدود الاستفادة منها، وهذا خطأ فادح.
قال أزرق العينين في سرعة:
- ينبغي أن يحرقها بعد تصويرها إذن.
أومأ (ادجرتون) برأسه، قائلاً:
- بالضبط... وهذا ما يفترض أنه قد فعله الآن.
ثم شرد بصره، وهو يضيف، بكل توتر الدنيا:
- السؤال الآن هو: ما الذي سيمكنه فعله، في المرحلة المقبلة، و...
صمت بضع لحظات، ازدرد خلالها لعابه في صعوبة، عبر حلقه الجاف، قبل أن يكمل في عصبية:
- والأخيرة...
لم يدر وهو ينطقها، كم كانت عبارته صحيحة تماماً ففي اللحظة التي نطقها فيها، كانت الجولة الأخيرة للصراع قد بدأت بالفعل...
الجولة الحاسمة... والقاتلة...

لم يكن من الممكن أن يضيع لص محترف مثل (ستيف جوست) لحظة واحدة، في ظروف شديدة الدقة كهذه.
كان يعلم أن اقتحام الحدود، ومحاولة عبورها بالقوة، أمر أشبه بالانتحار، إلا أن انتظار وصول سيارة المخابرات السوفيتية، كان يبدو له أبشع من الموت نفسه... لذا فقد كان قراره سريعاً، حازماً... وحاسماً...
وبكل قوته، ضغط دواسة الوقود، وهو يدير المحرك، ويثب بالسيارة إلى الأمام، في وجوه الجنود، المتجهين اليه.
وارتطمت السيارة بأحد الجنود، وأطاحت به جانباً في عنف، ولطم جانبها جندياً آخر، ليزيحه عن الطريق بزاوية حادة، ثم انقضت على الحواجز الخشبية مباشرة.
وبحركة آلية غريزية، ارتفعت فوهات رشاشات الجنود الآخرين، وانهالت منها الرصاصات كالمطر، على جسم السيارة، وزجاجها، وإطاراتها.
وخفض (ستيف) رأسه وجسده كله، وهو يمسك عجلة القيادة بكل قوته، وتهشم زجاج السيارة كله بعنف، وتناثر داخلها في كل الاتجاهات، ودوى صوت الرصاصات، وهي تخترق جسمها، وتعبر فوق رأسه بأزيز مخيف، وشعر بعمود من النار يخترق ظهره، وآخر يمزق لحم ساقه، وعلى الرغم من هذا فقد واصل الضغط على دوّاسة الوقود لترتطم السيارة بالحواجز الخشبية وتحطمها مع مقدمتها، ثم تندفع متجاوزة إياها، إلى ذلك الممر المحايد من الطريق، والذي يفصل بين الألمانيتين
ولكن رصاصات الجنود مزقت اطاراتها، التي انفجرت في عنف، وراح الجزء المعدني لها يرتطم بالأرض، لترتج السيارة، وتتقافز في عنف.
ثم فجأة، اختل توازنها، ووثبت وثبة أخيرة، قبل أن تنقلب على جانبها، وتزحف لمترين أو ثلاثة، في اتجاه الغرب، وهي تدور حول نفسها، لتسد الطريق تقريباً.
وفي اللحظة نفسها، وصلت سيارة رجل المخابرات السوفيتي (أليكس) إلى نقطة الحدود، وتوقفت لحظة ليقفز منها مساعده الذي لوح بأوراقه، صائحاً في صراحة:
- (كي. جي. بي) مهمة رسمية... أوقفوا إطلاق النار.
لم يسمع (أليكس) حتى عبارة مساعده، وهو يواصل الانطلاق، متجاوزاً منفذ الحدود، ومنطلقاً عبر الممر المحايد، حتى استوقفته سيارة (ستيف) المقلوبة، فوثب من سيارته، وانتزع مسدسه في غضب هادر، قائلاً:
- لن ينتصر هذا الأميركي اللعين... أبداً...
كان (ستيف) يستجمع كل قوته، في تلك اللحظة، ويستنفر كل ما تبقى من إرادته، ليدفع جسده عبر زجاج السيارة المقلوبة، ثم يجذب ساقه المصابة، وكاحله الآخر الملتوي، ويتجاهل الدماء التي تغمر وجهه، من جرح كبير في جبهته، في محاولة للزحف نحو الغرب.
ولكن (أليكس) دار حول السيارة المقلوبة، في هذه اللحظة، وصوب مسدسه المتحفز نحو (ستيف)، صائحاً في صرامة ثائرة:
- خسرت أيها الأميركي... لعبتك انتهت بالفشل... لن تحمل أدق أسرارنا إلى الغرب.
توقف (ستيف)، والتقط نفساً عميقاً، ثم استدار إليه في بطء، وتطلع لحظة إلى فوهة المسدس المصوبة إليه، وهو يقول:
- أنت تقف في ممر محايد أيها السوفيتي.
جذب (أليكس) إبرة مسدسه، قائلاً في صرامة:
- أعلم هذا أيها الأميركي.
تابع (ستيف) وكأنه لم يسمعه:
- وفقاً للقانون، لا سلطة لك أو لرجالك هنا... لا يمكنك حتى التواجد، أو إلقاء القبض عليّ.
ابتسم (أليكس) ابتسامة ساخرة، وهو يقول في عصبية:
- حقاً؟! جميل منك أن نبهتني أيها الأميركي.
ثم رفع فوهة مسدسه ليصوبها إلى رأس (ستيف) مباشرة، وهو يضيف في غضب هادر:
- أعدك إذن أن أكتب على قبرك، أنك قد لقيت مصرعك بأسلوب غير قانوني.
وانعقد حاجباه في شراسة، وهو يضيف:
- وداعاً أيها الأميركي.
ودوت رصاصة في المكان...
ومع دويها أغلق (ستيف) عينيه في قوة، وانتفض جسده كله في عنف، وتصور أنها لحظته الأخيرة، و...
ولكنه لم يشعر بالألم... بأي ألم...
وعندما فتح عينيه، وجد نفسه يحدق في وجه (أليكس)، الذي اتسعت عيناه عن آخرهما وسالت الدماء من ثقب في جبهته، وجسده يترنح في قوة، قبل أن يسقط على وجهه جثة هامدة...
ومن خلفه، سمع (ستيف) صوتاً يهتف في توتر:
- أسرع يا رجل... أسرع بالله عليك.
كان الجنود السوفيت يطلقون النار من رشاشاتهم، عند الجانب الشرقي، وأزرق العينين يعاون (ستيف) على النهوض، وهو يحمل في يده مسدساً، تتصاعد من فوهته خيوط الدخان وسيارة (أليكس) مع السيارة المقلوبة، يحجبان رصاصات السوفيت، و(إدجار) عند الجانب الغربي، يصيح:
- أسرعا... أسرعا.
وعندما بلغ الرجلان الجانب الغربي، توقفت رصاصات السوفيت، اعترافاً منهم بالهزيمة، في حين هتف (ادجرتون) في لهفة:
- يا إلهي!... إنك مصاب... نريد سيارة إسعاف بسرعة.
أسرع أزرق العينين للاتصال بالاسعاف، في حين أخرج (ستيف) من جيبه صور الأفلام، التي التقطها للملفات السرية، وناولها لرجل المخابرات، وهو يبتسم، قائلاً:
- لقد فعلتها.
وابتسم (ادجرتون) ابتسامة كبيرة، وهو يربت على كتفه، ويلتقط أنفاسه في عمق، فنجاح هذه العملية هو شهادة ميلاد للمخابرات الأميركية، التي ربحت أول صراع في الحرب الباردة الجديدة..
تمت بحمد الله . .

-------------------------
دليل الأعضاء الجدد للتفاعل في المنتدي
¤.:"*.. UNPREDICTABLE LIKE WEATHER ..‏*‏‏"‏:.¤
I'M Mr.Pharmacist
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ma3arif.ba7r.org
 
صراع الجواسيس .. د.نبيل فاروق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي بستان المعارف :: المنتدي العام :: الادبـــــــــى :: اقرأ أونلاين :: د. نبيل فاروق-
انتقل الى: